ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده ، فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم . حدثني ابن البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن سعيد بن عبد العزيز ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة : إني وجدت آية في كتاب الله :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
أي لا تقاتل من لا يقاتلك ، يعني النساء والصبيان والرهبان . وأولى هذين القولين بالصواب ، القول الذي قاله عمر بن عبد العزيز ؛ لأَن دعوى المدعي نسخ آية يحتمل أن تكون غير منسوخة بغير دلالة على صحة دعواه تحكم ، والتحكم لا يعجز عنه أحد . وقد دللنا على معنى النسخ والمعنى الذي من قبله يثبت صحة النسخ بما قد أغنى عن إعادته في هذه الموضع . فتأويل الآية إذا كان الأَمر على ما وصفنا : وقاتلوا أيها المؤمنون في سبيل الله وسبيله : طريقه الذي أوضحه ودينه الذي شرعه لعباده . يقول لهم تعالى ذكره : قاتلوا في طاعتي ، وعلى ما شرعت لكم من ديني ، وادعوا إليه من ولى عنه ، واستكبر بالأَيدي والأَلسن ، حتى ينيبوا إلى طاعتي ، أو يعطوكم الجزية صغارا إن كانوا أهل كتاب . وأمرهم تعالى ذكره بقتال من كان منه قتال من مقاتلة أهل الكفر دون من لم يكن منه قتال من نسائهم وذراريهم ، فإنهم أموال وخول لهم إذا غلب المقاتلون منهم فقهروا ، فذلك معنى قوله :
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
لأَنه أباح الكف عمن كف ، فلم يقاتل من مشركي أهل الأَوثان والكافين عن قتال المسلمين من كفار أهل الكتاب على إعطاء الجزية صغارا . فمعنى قوله :
وَلا تَعْتَدُوا
لا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا من أعطاكم الجزية من أهل الكتابين والمجوس ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
الذين يجاوزون حدوده ، فيستحلون ما حرمه الله عليهم من قتل هؤلاء الذين حرم قتلهم من نساء المشركين وذراريهم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
يعني تعالى ذكره : واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم ، وذلك هو معنى قوله :
حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
ومعنى الثقفة بالأَمر :
الحذق به والبصر ، يقال : إنه لثقف لقف إذا كان جيد الحذر في القتال بصيرا بمواقع القتل . وأما التثقيف فمعنى غير هذا وهو التقويم ؛ فمعنى :
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم وأبصرتم مقاتلهم . وأما قوله :
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ
فإنه يعني بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة ، فقال لهم تعالى ذكره : أخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم وقد أخرجوكم من دياركم من مساكنكم وديارهم كما أخرجوكم منها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
يعني تعالى ذكره بقوله :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
والشرك بالله أشد من القتل . وقد بينت فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار فتأويل الكلام : وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيما على دينه متمسكا عليه محقا فيه . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
قال : ارتداد المؤمن إلى الوثن أشد عليه من القتل . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
يقول : الشرك أشد من القتل . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
يقول : الشرك أشد من القتل . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
قال : الشرك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير ، عن مجاهد في قوله :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
قال : الفتنة : الشرك . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال :
سمعت الفضل بن خالد ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
قال : الشرك أشد من القتل . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله جل ذكره :
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ
قال : فتنة الكفر . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ