تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عون المعبود — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
قال شمس الدين ابن القيم : أما تسميته منبت فثبت عن ابن مسعود أنه قال : ( ( الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع ، والذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع ) ) وقد رواه ابن أبي الدنيا عنه مرفوعا في كتاب ذم الملاهي والموقوف أصح . وهذا أدل دليل على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأدوائها وأدويتها وأنهم أطباء القلوب . واعلم أن للغناء خواص فمنها أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه ، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب لما بينهما من التضاد ، فالقرآن ينهي عن اتباع الهوى ويأمر بالعفة ومجانبة الشهوات وأسباب الغي ، والغناء يأمر بضد ذلك ويحسنه ويهيج النفوس إلى شهوات الغي . قال بعض العارفين : السماع يورث بعض النفاق في قوم والعناد في قوم والتكذيب في قوم والفجور في قوم ، وأكثر ما يورث عشق الصور واستحسان الفواحش وإدمانه يثقل القرآن على القلب ويكرهه على السمع . وسر المسألة أن الغناء قرآن الشيطان ، فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب وهذا معنى النفاق . وأيضا فإن أساس النفاق أن يخالف الظاهر الباطن ، وصاحب الغناء بين أمرين إما أن ينهتك فيكون فاجرا أو يظهر النسك فيكون منافقا ، فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة وقلبه يغلي بالشهوات ومحبة ما ينافي الدين من اللهو والآلات . وأيضا فمن علامات النفاق قلة ذكر الله والكسل عند القيام إلى الصلاة ونقر الصلاة ، وهذه صفة المفتونين بالغناء . وأيضا المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح كما أخبر الله عن المنافقين ، وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث أنه يصلحه . والمغني يدعو القلب إلى فتنة الشهوات . والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات . قال الضحاك : الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده بلغني عن الثقات أن صوت المعازف واستماع الأغاني ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء انتهى كلامه مختصرا من الإغاثة . وحديث عبد الله بن مسعود ليس من رواية اللؤلؤي . وقال المزي في الأطراف : لم يذكره أبو القاسم وهو في رواية أبي الحسن بن العبد وغيره انتهى . قال الشوكاني : قد اختلف في الغناء مع آلة من آلات الملاهي وبدونها ، فذهب الجمهور إلى التحريم ، وذهب أهل المدينة ومن وافقهم من علماء الظاهر وجماعة من الصوفية
عون المعبود — صفحة 184 | العظيم آبادي