العالمين " ، أمر من الله عبده بقيل ذلك كما ذكرنا قبل من الخبر عن ابن عباس : أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم ، عن الله : قل يا محمد :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
وقل أيضا يا محمد :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
وكان عقل عن العرب أن من شأنها إذا حكت أو أمرت بحكاية خبر يتلو القول ، أن تخاطب ثم تخبر عن غائب ، وتخبر عن الغائب ثم تعود إلى الخطاب ؛ لما في الحكاية بالقول من معنى الغائب والمخاطب ، كقولهم للرجل : قد قلت لأَخيك : لو قمت لقمت ، وقد قلت لأَخيك :
لو قام لقمت ؛ لسهل عليه مخرج ما استصعب عليه وجهته من جر :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
ومن نظير " مالك يوم الدين " مجرورا ، ثم عوده إلى الخطاب ب " إياك نعبد " لما ذكرنا قبل ، البيت السائر من شعر أبي كبير الهذلي :
يا لهف نفسي كان جلدة خالد * وبياض وجهك للتراب الأَعفر
فرجع إلى الخطاب بقوله : " وبياض وجهك " ، بعد ما قد قضى الخبر عن خالد على معنى الخبر عن الغائب . ومنه قول لبيد بن ربيعة :
باتت تشكي إلي النفس مجهشة * وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فرجع إلى مخاطبة نفسه ، وقد تقدم الخبر عنها على وجه الخبر عن الغائب . ومنه قول الله وهو أصدق قيل وأثبت حجة :
حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ
فخاطب ثم رجع إلى الخبر عن الغائب ، ولم يقل : " وجرين بكم " . والشواهد من الشعر وكلام العرب في ذلك أكثر من أن تحصى ، وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه . فقراءة : " مالك يوم الدين " محظورة غير جائزة ، لإِجماع جميع الحجة من القراء وعلماء الأَمة على رفض القراءة بها . القول في تأويل قوله تعالى :
يَوْمِ الدِّينِ
قال أبو جعفر :
والدين في هذا الموضع بتأويل الحساب والمجازاة بالأَعمال ، كما قال كعب بن جعيل :
إذا ما رمونا رميناهم * ودناهم مثل ما يقرضونا
وكما قال الآخر :
واعلم وأيقن أن ملكك زائل * واعلم بأنك ما تدين تدان
يعني ما تجزي تجازى . ومن ذلك قول الله جل ثناؤه :
كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ
يعني بالجزاء
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ
يحصون ما تعملون من الأَعمال . وقوله تعالى :
فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ
يعني غير مجزيين بأعمالكم ولا محاسبين . وللدين معان في كلام العرب غير معنى الحساب والجزاء سنذكرها في أماكنها إن شاء الله . وبما قلنا في تأويل قوله :
يَوْمِ الدِّينِ
جاءت الآثار عن السلف من المفسرين ، مع تصحيح الشواهد لتأويلهم الذي تأولوه في ذلك . حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس :
يَوْمِ الدِّينِ
قال : يوم حساب الخلائق هو يوم القيامة ، يدينهم بأعمالهم ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، إلا من عفا عنه ، فالأَمر أمره . ثم قال :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
وحدثني موسى بن هارون الهمداني ، قال : حدثنا عمرو بن حماد القناد ، فال : حدثنا أسباط بن نصر الهمداني ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ملك يوم الدين : هو يوم الحساب .
حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ