من القول ما قلنا ؛ وذلك أن الكلام محمول معناه على ظاهره المعروف دون باطنه المجهول ، حتى يأتي ما يدل على خلاف ذلك مما يجب التسليم له . ولا شك أن المعروف في الناس بمقام إبراهيم هو المصلى الذي قال الله تعالى ذكره :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
فإن أهل التأويل مختلفون في معناه ، فقال بعضهم : هو المدعى . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
قال : مصلى إبراهيم مدعى . وقال آخرون : معنى ذلك :
اتخذوا مصلى تصلون عنده . ذكر من قال ذلك : حدثني بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : أمروا أن يصلوا عنده . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال :
ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : هو الصلاة عنده . فكأن الذين قالوا تأويل المصلى هاهنا المدعى ، وجهوا المصلى إلى أنه مفعل من قول القائل : صليت بمعنى دعوت . وقائلوا هذه المقالة هم الذين قالوا : إن مقام إبراهيم هو الحج كله . فكان معناه في تأويل هذه الآية : واتخذوا عرفة والمزدلفة والمشعر والجمار وسائر أماكن الحج التي كان إبراهيم يقوم بها مداعي تدعونني عندها ، وتأتمون بإبراهيم خليلي عليه السلام فيها ، فإني قد جعلته لمن بعده من أوليائي وأهل طاعتي إماما يقتدون به وبآثاره ، فاقتدوا به . وأما تأويل القائلين القول الآخر ، فإنه : اتخذوا أيها الناس من مقام إبراهيم مصلى تصلون عنده ، عبادة منكم ، وتكرمة مني لإِبراهيم . وهذا القول هو أولى بالصواب لما ذكرنا من الخبر عن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . القول في تأويل قوله تعالى :
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ
. يعني تعالى ذكره بقوله :
وَعَهِدْنا
وأمرنا . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ما عهده ؟ قال : أمره . حدثني يونس ، قال :
أخبرني ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ
قال : أمرناه . فمعنى الآية : وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين . والتطهير الذي أمرهما الله به في البيت ، هو تطهيره من الأَصنام وعبادة الأَوثان فيه ومن الشرك بالله . فإن قال قائل : وما معنى قوله :
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
وهل كان أيام إبراهيم قبل بنائه البيت بيت يطهر من الشرك وعبادة الأَوثان في الحرم ، فيجوز أن يكونا أمرا بتطهيره ؟ قيل : لذلك وجهان من التأويل ، قد كان لكل واحد من الوجهين جماعة من أهل التأويل ، أحدهما : أن يكون معناه : وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن ابنيا بيتي مطهرا من الشرك والريب ، كما قال تعالى ذكره :
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ
، فكذلك قوله :
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ
أي ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط عن السدي :
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ
يقول : ابنيا بيتي . فهذا أحد وجهيه ، والوجه الآخر منهما أن يكونا أمرا بأن يطهرا مكان البيت قبل بنيانه والبيت بعد بنيانه مما كان أهل الشرك بالله يجعلونه فيه على عهد نوح ومن قبله من الأَوثان ، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما ، إذ كان الله تعالى ذكره قد جعل إبراهيم إماما يقتدي به من بعده . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
أَنْ طَهِّرا
قال : من الأَصنام التي يعبدون التي كان المشركون يعظمونها . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير :
أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
قال : من الأَوثان والريب . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، مثله . حدثني أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا