لما هاجر إلى المدينة . وكان أكثر أهلها اليهود ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم عليه السلام فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله تبارك وتعالى :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
إلى قوله :
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا :
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
فأنزل الله عز وجل :
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
وقال :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
. حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي نحوه . وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين به التوجه شطر المسجد الحرام . وإنما أنزلها عليه معلما نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب ، لأَنهم لا يوجهون وجوههم وجها من ذلك وناحية ، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية ؛ لأَن له المشارق والمغارب ، وأنه لا يخلو منه مكان ، كما قال جل وعز :
وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا
قالوا : ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه شطر المسجد الحرام . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال :
ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد عن قتادة : قوله جل وعز :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
ثم نسخ ذلك بعد ذلك ، فقال الله :
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
. حدثت عن الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
قال :
هي القبلة ، ثم نسختها القبلة إلى المسجد الحرام . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا همام ، قال : ثنا يحيى ، قال : سمعت قتادة في قول الله :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
قال : كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة ، وبعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ، ثم وجه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام ، فنسخها الله في آية أخرى :
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
إلى :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
قال : فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعته يعني زيد ا يقول : قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله لو أنا استقبلناه " فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرا . فبلغه أن يهود تقول : والله ما درى محمد وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم أين قبلتهم حتى هديناهم فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ورفع وجهه إلى السماء ، فقال الله عز وجل :
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
الآية . وقال آخرون : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم إذنا من الله عز وجل له أن يصلي التطوع حيث توجه وجهه من شرق أو غرب ، في مسيره في سفره ، وفي حال المسايفة ، وفي شدة الخوف ، والتقاء الزحوف في الفرائض . وأعلمه أنه حيث وجه وجهه فهو هنا لك ، بقوله :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
. ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : ثنا عبد الملك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ،