يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ
قال : نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان " قال : فجعل المشركون يقولون : اللهم إنا منعنا أن ننزل . وإنما قيل :
أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ
فأخرج على وجه الخبر عن الجميع وهو خبر عمن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ؛ لأَن " من " في معنى الجميع ، وإن كان لفظه واحدا . القول في تأويل قوله تعالى :
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
. أما قوله عز وجل :
لَهُمْ
فإنه يعني الذين أخبر عنهم أنهم منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه . وأما قوله :
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
فإنه يعني بالخزي : العار والشر والذلة إما القتل والسباء ، وإما الذلة والصغار بأداء الجزية . كما : حدثنا الحسن ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة :
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال :
ثنا أسباط ، عن السدي قوله :
لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
أما خزيهم في الدنيا : فإنهم إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم ، فذلك الخزي ؛ وأما العذاب العظيم : فإنه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله ، ولا يقضي عليهم فيها فيموتوا . وتأويل الآية : لهم في الدنيا الذلة والهوان والقتل والسبي ، على منعهم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، وسعيهم في خرابها . ولهم على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم في الأَرض فسادا عذاب جهنم ، وهو العذاب العظيم . القول في تأويل قوله تعالى
:
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
يعني جل ثناؤه بقوله :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
لله ملكهما وتدبيرهما ، كما يقال : لفلان هذه الدار ، يعني بها أنها له ملكا ، فذلك قوله :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
يعني أنهما له ملكا وخلقا . والمشرق :
هو موضع شروق الشمس ، وهو موضع طلوعها ، كما يقال لموضع طلوعها منه مطلع بكسر اللام ، وكما بينا في معنى المساجد آنفا . فإن قال قائل : أو ما كان لله إلا مشرق واحد ومغرب واحد حتى قيل :
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
؟ قيل : إن معنى ذلك غير الذي ذهبت إليه ، وإنما معنى ذلك : ولله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم ، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم . فتأويله إذا كان ذلك معناه : ولله ما بين قطري المشرق ، وما بين قطري المغرب ، إذ كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده ، وكذلك غروبها كل يوم . فإن قال : أوليس وإن كان تأويل ذلك ما ذكرت فلله كل ما دونه الخلق خلقه ؟ قيل : بلى . فإن قال : فكيف خص المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له في هذا الموضع دون سائر الأَشياء غيرها ؟ قيل : قد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله خص الله ذكر ذلك بما خصه به في هذا الموضع ، ونحن مبينو الذي هو أولى بتأويل الآية بعد ذكرنا أقوالهم في ذلك . فقال بعضهم : خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر من أجل أن اليهود كانت توجه في صلاتها وجوهها قبل بيت المقدس ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة ، ثم حولوا إلى الكعبة ، فاستنكرت اليهود ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما ولا هم عن قبلتهم التي كانوا عليها ، فقال الله تبارك وتعالى لهم : المشارق والمغارب كلها لي أصرف وجوه عبادي كيف أشاء منها ، فحيثما تولوا فثم وجه الله . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم