عباس قال : لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ، ما بقي على ظهر الأَرض يهودي إلا مات . قال أبو جعفر :
فانكشف ، لمن كان مشكلا عليه أمر اليهود يومئذ ، كذبهم وبهتهم وبغيهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظهرت حجة رسول الله وحجة أصحابه عليهم ، ولم تزل والحمد لله ظاهرة عليهم وعلى غيرهم من سائر أهل الملل . وإنما أمر رسل الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
لأَنهم فيما ذكر لنا قالوا
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
وقالوا :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهم إن كنتم صادقين فيما تزعمون فتمنوا الموت فأبان الله كذبهم بامتناعهم من تمني ذلك ، وأفلج حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو اليهود أن يتمنوا الموت ، وعلى أي وجه أمروا أن يتمنوه . فقال بعضهم : أمروا أن يتمنوه على وجه الدعاء على الفريق الكاذب منهما . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب . وقال آخرون بما : حدثني بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ
وذلك أنهم
قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
وقالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
فقيل لهم :
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
. حدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال :
قالت اليهود :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
وقالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
فقال الله :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
فلم يفعلوا . حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثني أبو جعفر ، عن الربيع قوله :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً
الآية ، وذلك بأنهم
قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
وقالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
. وأما تأويل قوله :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً
فإنه يقول :
قل يا محمد إن كان نعيم الدار الآخرة ولذاتها لكم يا معشر اليهود عند الله . فاكتفى بذكر " الدار " من ذكر نعيمها لمعرفة المخاطبين بالآية معناها . وقد بينا معنى الدار الآخرة فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأما تأويل قوله
خالِصَةً
فإنه يعني به صافية ، كما يقال :
خلص لي فلان بمعنى صار في وحدي وصفا لي ؛ يقال منه : خلص في هذا الشيء ، فهو يخلص خلوصا وخالصة ، والخالصة مصدر مثل العافية ، ويقال للرجل : هذا خلصاني ، يعني خالصتي من دون أصحابي .
وقد روي عن ابن عباس أنه كان يتأول قوله :
خالِصَةً
خاصة ، وذلك تأويل قريب من معنى التأويل الذي قلناه في ذلك . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ
قال : قل يا محمد لهم يعني اليهود إن