حدثت عن المنجاب ، قال : حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
قال : كانوا يستظهرون يقولون نحن نعين محمدا عليهم ، وليسوا كذلك ؛ يكذبون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سألت ابن زيد عن قول الله عز وجل :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
قال : كانت يهود يستفتحون على كفار العرب يقولون : أما والله لو قد جاء النبي الذي بشر به موسى وعيسى أحمد لكان لنا عليكم .
وكانوا يظنون أنه منهم والعرب حولهم ، وكانوا يستفتحون عليهم به ويستنصرون به
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
وحسدوه . وقرأ قول الله جل ثناؤه :
كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ
قال : قد تبين لهم أنه رسول ، فمن هنا لك نفع الله الأَوس والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيا خارج . فإن قال لنا قائل : فأين جواب قوله :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ؟
قيل : قد اختلف أهل العربية في جوابه ، فقال بعضهم : هو مما ترك جوابه استغناء بمعرفة المخاطبين به بمعناه وبما قد ذكر من أمثاله في سائر القرآن . وقد تفعل العرب ذلك إذا طال الكلام ، فتأتي بأشياء لها أجوبة فتحذف أجوبتها لاستغناء سامعيها بمعرفتهم بمعناها عن ذكر الأَجوبة ، كما قال جل ثناؤه :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
فترك جوابه . والمعنى : " ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن سيرت به الجبال لسيرت بهذا القرآن " استغناء بعلم السامعين بمعناه . قالوا : فكذلك قوله :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
. وقال آخرون : جواب قوله :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
في " الفاء " التي في قوله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
وجواب الجزاءين في " كفروا به " كقولك : لما قمت فلما جئتنا أحسنت ، بمعنى : لما جئتنا إذ قمت أحسنت . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
.
قد دللنا فيما مضى على معنى اللعنة وعلى معنى الكفر بما فيه الكفاية . فمعنى الآية : فخزي الله وإبعاده على الجاحدين ما قد عرفوا من الحق عليهم لله ولأَنبيائه المنكرين ، لما قد ثبت عندهم صحته من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . ففي إخبار الله عز وجل عن اليهود بما أخبر الله عنهم بقوله :
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
البيان الواضح أنهم تعمدوا الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد قيام الحجة بنبوته عليهم وقطع الله عذرهم بأنه رسوله إليهم . القول في تأويل قوله تعالى :
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
ومعنى قوله جل ثناؤه :
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
ساء ما اشتروا به أنفسهم . وأصل " بئس " " بئس " من البؤس ، سكنت همزتها ثم نقلت حركتها إلى الباء ، كما قيل في ظللت ظلت ، وكما قيل للكبد : كبد ، فنقلت حركة الباء إلى الكاف لما سكنت الباء . وقد يحتمل أن تكون " بئس " وإن كان أصلها " بئس " من لغة الذين ينقلون حركة العين من فعل إلى الفاء إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق الستة ، كما قالوا من " لعب " " لعب " ، ومن " سئم " " سئم " ، وذلك فيما يقال لغة فاشية في تميم ، ثم جعلت دالة على الذم والتوبيخ ووصلت ب " ما " .
واختلف أهل العربية في معنى " ما " التي مع " بئسما " ، فقال بعض نحويي البصرة : هي وحدها اسم ، و " أن يكفروا " تفسير له ، نحو : نعم رجلا زيد ، و " أن ينزل الله " بدل من " أنزل الله " . وقال بعض نحويي الكوفة : معنى