عكرمة حدثني المثنى وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قالا : أخبرنا حفص بن عمر ، ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
قال : قولوا لا إله إلا الله إلا أنهم قالوا القول الذي أمروا أن يقولوه هو أن يقولوا هذا الأَمر حق كما قيل لكم . ذكر من قال ذلك : حدثنا عن المنجاب ، قال : ثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
قال : قولوا هذا الأَمر حق كما قيل لكم . واختلف أهل العربية في المعنى الذي من أجله رفعت الحطة ، فقال بعض نحويي البصرة : رفعت الحطة بمعنى " قولوا " ليكن منكم حطة لذنوبنا ، كما تقول للرجل سمعك . وقال آخرون منهم نحويي البصرة : هي حطة كلمة أمرهم الله أن يقولوها مرفوعة ، وفرض عليهم قيلها كذلك .
وقال بعض نحويي الكوفيين : رفعت الحطة بضمير " هذه " ، كأنه قال : وقولوا هذه حطة . وقال آخرون منهم نحويي الكوفيين :
هي حطة مرفوعة بضمير معناه الخبر ، كأنه قال : قولوا ما هو حطة ، فتكون حطة حينئذ خبرا لي " ما " . والذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب ، أن يكون رفع حطة بنية خبر محذوف قد دل عليه ظاهر التلاوة ، وهو دخولنا الباب سجدا حطة ، فكفى من تكريره بهذا اللفظ ما دل عليه الظاهر من التنزيل ، وهو قوله :
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً
كما قال جل ثناؤه :
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ
يعني موعظتنا إياهم معذرة إلى ربكم .
فكذلك عندي تأويل قوله :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
يعني بذلك :
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ . . .
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا
دخولنا ذلك سجدا
حِطَّةٌ
لذنوبنا ، وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفا . وأما على تأويل قول عكرمة ، فإن الواجب أن تكون القراءة بالنصب في " حطة " ، لأَن القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا : لا إله إلا الله ، أو أن يقولوا : نستغفر الله ، فقد قيل لهم :
قولوا هذا القول ، ف " قولوا " واقع حينئذ على الحطة ، لأَن الحطة على قول عكرمة هي قول لا إله إلا الله ، وإذ كانت هي قول لا إله إلا الله ، فالقول عليها واقع ، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير ، فقال له : " قل خيرا " نصبا ، ولم يكون صوابا أن يقول له " قل خير " إلا على استكراه شديد . وفي إجماع القراء على رفع " الحطة " بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في قوله :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
. وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله :
وَقُولُوا حِطَّةٌ
أن تكون القراءة في " حطة " نصبا ، لأَن من شأن العرب إذا وضعوا المصادر مواضع الأَفعال وحذفوا الأَفعال أن ينصبوا المصادر ، كما قال الشاعر :
أبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم * على أمهات الهام ضربا شاميا
وكقول القائل للرجل : سمعا وطاعة ، بمعنى : أسمع سمعا وأطيع طاعة ، وكما قال جل ثناؤه :
مَعاذَ اللَّهِ
بمعنى نعوذ بالله . القول في تأويل قوله تعالى :
نَغْفِرْ لَكُمْ
يعني بقوله :
نَغْفِرْ لَكُمْ
نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم ونسترها عليكم ، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها . وأصل الغفر : التغطية والستر ، فكل ساتر شيئا فهو غافره .
ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتخذ جنة للرأس " مغفر " ، لأَنها تغطي الرأس وتجنه ، ومنه غمد السيف ، وهو ما يغمده فيواريه ؛ ولذلك قيل لزئبر الثوب " عفرة " ، لتغطيته الثوب ، وحوله بين الناظر والنظر إليها . ومنه قول أوس بن حجر :
فلا أعتب ابن العم إن كان جاهلا * وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا