ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
لما أردت بكما ، فاطمئنا عليه طوعا أو كرها ، قالتا : أتينا طائعين . فقد أخبر ابن إسحاق أن الله جل ثناؤه استوى إلى السماء بعد خلقه الأَرض وما فيها وهن سبع من دخان ، فسواهن كما وصف . وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق لأَنه أوضح بيانا عن خبر السماوات أنهن كن سبعا من دخان قبل استواء ربنا إليها بتسويتها من غيره ، وأحسن شرحا لما أردنا الاستدلال به من أن معنى السماء التي قال الله فيها :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
بمعنى الجمع على ما وصفنا ، وأنه إنما قال جل ثناؤه :
فَسَوَّاهُنَّ
إذ كانت السماء بمعنى الجمع على ما بينا . قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السماوات التي ذكرها في قوله :
فَسَوَّاهُنَّ
إذ كن قد خلقن سبعا قبل تسويته إياهن ؟ وما وجه ذكر خلقهن بعد ذكر خلق الأَرض ، ألأَنها خلقت قبلها ، أم بمعنى غير ذلك ؟ قيل : قد ذكرنا ذلك في الخبر الذي رويناه عن ابن إسحاق ، ونزيد ذلك توكيدا بما انضم إليه من أخبار بعض السلف المتقدمين وأقوالهم . فحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ، ولم يخلق شيء غير ما خلق قبل الماء ، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا ، فارتفع فوق الماء فسما عليه ، فسماه سماء ، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ، ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين في الأَحد والاثنين ، فخلق الأَرض على حوت ، والحوت هو النون الذي ذكره الله في القرآن :
ن وَالْقَلَمِ
والحوت في الماء والماء على ظهر صفاة ، والصفاة على ظهر ملك ، والملك على صخرة ، والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأَرض . فتحرك الحوت فاضطرب ، فتزلزت الأَرض ، فأرسى عليها الجبال فقرت ، فالجبال تفخر على الأَرض ، فذلك قوله :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأَربعاء ، وذلك حين يقول :
أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها
يقول : أنبت شجرها
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
يقول أقواتها لأَهلها
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ
يقول : قل لمن يسألك هكذا الأَمر
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، فجعلها سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين في الخميس والجمعة ، وإنما سمي يوم الجمعة لأَنه جمع فيه خلق السماوات والأَرض
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها ، من البحار وجبال البرد وما لا يعلم . ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين . فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش ، فذلك حين يقول :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
يقول :
كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
وحدثني الحسن بن يحيى ، قال :
أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
قال : خلق الأَرض قبل السماء ، فلما خلق الأَرض ثار منها دخان ،