حكمه في المنيبين إليه بالتوبة ، وقضائه في المستكبرين عن الإِنابة ، إعذارا من الله بذلك إليهم وإنذارا لهم ، ليتدبروا آياته وليتذكر منهم أولو الأَلباب . وخاصا أهل الكتاب بما ذكر من قصص آدم وسائر القصص التي ذكرها معها وبعدها مما علمه أهل الكتاب وجهلته الأَمة الأَمية من مشركي عبدة الأَوثان ، بالاحتجاج عليهم دون غيرهم من سائر أصناف الأَمم الذين لا علم عندهم بذلك لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ليعلموا بإخباره إياهم بذلك ، أنه لله رسول مبعوث ، وأن ما جاءهم به فمن عنده ، إذ كان ما اقتص عليهم من هذه القصص من مكنون علومهم ، ومصون ما في كتبهم ، وخفي أمورهم التي لم يكن يدعي معرفة علمها غيرهم وغير من أخذ عنهم وقرأ كتبهم . وكان معلوما من محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن قط كاتبا ولا لأَسفارهم تاليا ، ولا لأَحد منهم مصاحبا ولا مجالسا ، فيمكنهم أن يدعوا أنه أخذ ذلك من كتبهم أو عن بعضهم ، فقال جل ذكره في تعديده عليهم ما هم فيه مقيمون من نعمه مع كفرهم به ، وتركهم شكره عليها مما يجب له عليهم من طاعته :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأَرض جميعا ، لأَن الأَرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع . أما في الدين فدليل على وحدانية ربهم ، وأما في الدنيا فمعاش وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه ؛ فلذلك قال جل ذكره :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
وقوله : " هو " مكني من اسم الله جل ذكره ، عائد على اسمه في قوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
ومعنى خلقه ما خلق جل ثناؤه : إنشاؤه عينه ، وإخراجه من حال العدم إلى الوجود . و " ما " بمعنى " الذي " . فمعنى الكلام إذا : كيف تكفرون بالله وقد كنتم نطفا في أصلاب آبائكم ، فجعلكم بشرا أحياء ، ثم يميتكم ، ثم هو محييكم بعد ذلك ، وباعثكم يوم الحشر للثواب والعقاب ، وهو المنعم عليكم بما خلق لكم في الأَرض من معايشكم وأدلتكم على وحدانية ربكم . و " كيف " بمعنى التعجب والتوبيخ لا بمعنى الاستفهام ، كأنه قال : ويحكم كيف تكفرون بالله ، كما قال :
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
وحل قوله :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
محل الحال ، وفيه إضمار " قد " ، ولكنها حذفت لما في الكلام من الدليل عليها . وذلك أن " فعل " إذا حلت محل الحال كان معلوما أنها مقتضية " قد " ، كما قال جل ثناؤه :
أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ
بمعنى : قد حصرت صدورهم وكما تقول للرجل : أصبحت كثرت ماشيتك ، تريد : قد كثرت ماشيتك . وبنحو الذي قلنا في قوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
كان قتادة يقول : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة قوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
نعم والله سخر لكم ما في الأَرض .
القول في تأويل قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
قال أبو جعفر :
اختلف في تأويل قوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
فقال بعضهم : معنى استوى إلى السماء ، أقبل عليها ، كما تقول : كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى علي يشاتمني واستوى إلي يشاتمني ، بمعنى : أقبل علي وإلي يشاتمني . واستشهد على أن الاستواء بمعنى الإِقبال بقول الشاعر :
أقول وقد قطعن بنا شروري * سوامد واستوين من الضجوع
فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضجوع ، وكان ذلك عنده بمعنى أقبلن . وهذا من التأويل في هذا