على أنّ الأشياء تنزل من ساحة الإطلاق إلى مرحلة التعيين والتشخّص « 1 » بتقدير منه تعالى وتحديد يتقدّم على الشيء وصاحبه ، ولا معنى لكون الشيء محدوداً مقدراً في وجوده إلا أن يحدّد ويتعيّن بجميع روابطه التي مع سائر الموجودات ، والموجود المادي مرتبط بمجموعة من الموجودات المادّية الأخرى .
ومن هنا يستنتج أنّ الأسباب العاديّة التي ربّما يقع التخلّف بينها وبين مسبباتها ليست بأسباب حقيقة ، بل هناك أسباب حقيقية مطّردة غير متخلفة الأحكام والخواص انتهى .
أقول : لا شك أن المعجزة ليست أمراً بلا سبب ، وإنّما نقول أن سببها غير عادي ومألوف ، والألم يكن معجزة كالأقمار الصناعية والتلفزيون وجملة من المخترعات المعقدة اليوم ، بل سببها غير عادي . سواء أكان مادياً أو غير عادي حسب اختلاف الموارد ، فالمعجزة - كفيرها - لا تنقض قانون العلية العامة .
الفائدة الثانية : في تفصيل ما أجملنا في تعريف المعجزة ، وبيان شرائطها
وهي أمور :
1 - إمكان الدّعوى التي أقيمت لأجلها المعجزة عقلًا ونقلًا ، فلو ادّعى أمراً على خلاف العقل والنقل يكون نفس الدّعوى باطلة ومبطلة لمعجزة فلا يسمع قوله ، كما إذا ادّعى أحد أنّه قديم أو أنّه شريك للواجب أو أدّعى - في هذه الأعصار التي أصبحت خاتمية نبيّنا الأكرم ( ص ) من ضروريات الدين - النبوة فإنّه لا شكّ في بطلان معجزة .
2 - صدور المعجزة لإثبات دعوى منصب من المناصب الإلهية « 2 » ، وإلّا فهي موسومة بالكرامة دون المعجزة اصطلاحاً ، وهذا كخوارق العادات الصادرة من أولياء الله الذين جعلوا أهواءهم تابعة للتكاليف الدينية الإلهية مع عدم ادّعائهم شيئاً من المناصب الربّانية . وهي قطعية ؛ للنقل المتواتر ، ولدلالة القرآن عليها كما في قصّة آصف بن برخيا ، ومريم ابنة عمران ، فلا مجال لتشكيك في صحة الكرامات المذكورة وصدورها عن الصالحين .
فما من جماعة من المعتزلة أو مشهورهم : من منع إجراء الخوارق المذكورة على أيدي غير
هامش
( 1 ) - نظره في هذه العبارة إلى مقام الكثيرة في الوحدة وإن بسيطة الحقيقة كلّ الأشياء . وقد مرّ نقده في الجزء الثاني من هذا الكتاب .
( 2 ) - قد تقدم في الجزء الثاني ، بل في الجزء الأوّل أيضاً : أن إثبات النبوات على قواعد أهل السنة والجماعة غير ممكن فإنهم يرون استحالة تعلل أفعاله تعالى بالأغراض ، فلا حظ .