من أولادهن ، فإن لم يكن الأبوّة والأمومة التحقيقيتين مستلزمتين للفصل وزيادة الثواب فما بالك بالأمومة التنزيليّة التي هي من جهة كرامة النبيّ الخاتم ( ص ) فقط ، لا من جهة عملهن . وهذا واضح .
ويفند الثاني بلزوم أفضليّة إبراهيم بن رسول الله ( ص ) عن الأمّة ، وهو ممّا لم يقل به أحد ، وما ذكره في رفعه ممنوع فإنّ صالحات نساء رسول الله إنّما يستحقنّ بأعمالهن أصل دخول الجنة فقط ، لا وصول منزلة النبيّ ، وبينهما بون المشرقين . فإنّه لا يمكن لأحد أن يستحقّ منزلته ( ص ) بالعمل .
وبالجملة : ما ذكره فاسد قطعاً وإلّا لزم أفضليتهنّ من جميع الأنبياء والمرسلين ، فإنّ منزلة رسول الله أعلى من منازل جميع الأنبياء ، والناصبي مع إطالة كلامه وإكثار ترّهاته لم يستطع أن يجيب عن هذا الإيراد وكأنّه أيضاً استشعر بعجزه فقال في آخر كلامه : إنّ قوله تعالى :
( إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ )
« 1 » نصّ على مرامه ! ! فوجب الإقرار به فلا ينافي عجزه عن جواب الإشكال المذكور .
ولكنّه لم يشعر أنّ وحدة المكان في الجنة لا يستلزم التسوية في الفضل والثواب ، فيمكن أن يلتذّ أحد المجتمعين - في مكان واحد - أكثر ممّا يلتذّ الآخر ، وهذا ممّا لا دافع له ، بل وهذا ممّا لا بدّ منه لئلا يلزم أفضليّة أطفال كلّ أحد عمّن هو دونه .
وأمّا الثالث والرابع فهما أخصّان من مدّعاه ؛ إذ مجرّد أحبّية عائشة وأفضليّتها عن الناس لا يوجب أفضليّة سائر زوجات النبيّ ( ص ) عنهم ، فلعلّها لخصوصيّة خاصّة فيها دونهنّ كما هو كذلك ، فإنّها جاهدت عليّاً في البصرة وخرجت من بيتها وحثّت الناس على محاربة من أذهب الله عنه الرجس ، ومن قال النبيّ في حقّه : « حربك حربي ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى » .
وبالجملة : كان النبيّ الأكرم عالماً بشدّة بغض عائشة لعليّ وبنته فاطمة - وسبطيه الحسن والحسين ؛ فلذا خصّها بما خصّها ! ! ! ولا يوجد هذه المزيّة وغيرها كنزول قوله تعالى :
( فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما )
« 2 » - في غيرها فهي أفضل ! .
وكان ما كان ممّا لست أذكره * فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
وأمّا العدلان - عمرو وأنس - فهما من العادلين الذين قال الله تعالى فيهم . كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالًا بعيداً .
أمّا عمرو فقد فارق عليّاً ولحق بمعاوية رأس الفئة الباغية .
هامش
( 1 ) - يس 36 / 55 - 56 .
( 2 ) - التحريم 66 / 4 .