لكلّ من آمن وعمل صالحاً ، ولم يكن الأمر كذلك ، قلنا : إنّ كلمة من للتبعيض ؛ فقوله : ( منكم ) يدلّ على أنّ المراد بهذا الخطاب بعضهم .
أقول :
فإن كنت لا تدري فهي مصيبة * وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
كلمة « من » الظاهرة في التبعيض لم تدخل على قوله « الذين » حتّى يكون المراد بعض المؤمنين ، بل دخلت على ضمير الخطاب ، فالتبعيض راجع إلى المخاطبين دون المؤمنين الصالحين ، والآية - كجملة من الآيات المتقدّمة المؤيّدة بالروايات الكثيرة السابقة - دليل على وجود الكافرين والمنافقين والفاسقين في الصحابة وأنّ المؤمنين بعضهم ، وإلّا لقال : وعدكم الله أيّها الذين آمنوا ، انتهى .
وهذا البيان دليل آخر على امتناع حمل الاستخلاف على الخلافة غير الصالحة لجميع المؤمنين إلّا بتصرّف في ظهور الآية ، وهذا بخلاف حمله على ما ذكرنا فإنّه لا يحتاج إلى شيء من التصرّف والتأويل ، ولله الحمد .
فإن قلت : على ما ذكرت يشكل الأمر في الروايات الواردة من طريق الشيعة الدالّة على أنّ المراد بالموعودين هم أئمة آل البيت ( عليهم السلام ) .
قلت : حمل الآية عليهم ( عليهم السلام ) من باب الجري والتطبيق لا من باب الحصر أو من باب التأويل دون التفسير ، فافهم جيّداً .
الرابع : قوله تعالى :
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً
« 1 » .
قالوا : ليس الداعي إلى هؤلاء القوم لطلب الإسلام النبيّ الأكرم ( ص ) لقوله تعالى :
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ
« 2 » فإذا علم النبيّ أنّهم لا يتبعونه ، لا يدعوهم إلى القتال ، وأيضاً فإنّ المخلّفين لم يدعوا إلى المحاربة في حياته ( ص ) ، كذا ليس الداعي عليّاً ( ع ) لأنّه لم يتّفق له في أيّام خلافته قتال لطلب الإسلام بل لطلب الإمامة ورعاية حقوقها ، ولا من بعده من الولاة لأنّهم عندنا ظلمة « 3 » وعندهم - أي الشيعة - كفّار فلا يليق بهم قوله : فإن تطيعوا . فذلك
هامش
( 1 ) - الفتح 48 / 16 .
( 2 ) - الفتح 48 / 15 .
( 3 ) - هكذا في المواقف وشرحها ( 3 / 274 ) وعليه فيبطل جميع مزاعمهم حول تأويل الروايات القائلة : « الخلفاء بعدي اثنا عشر » ؛ ولذا ذكرنا عدم إمكان تطبيقها إلّا على مذهب الإمامية ، فافهم واستقم .