كان محمّد منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلّموا إليكم الإمارة . فإذاً احتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار ، ونحن أولى برسول الله حيّاً وميّتاً . فأنصفونا إن كنتم مؤمنين ! ! وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون .
فقال له عمر : إنّك لست متروكاً حتّى تبايع ، فقال له عليّ : احلب حلباً لك شطره ! وشدّ له اليوم يمدّده عليك غداً ! انتهى . ولقائله :
فإن كنت بالقربى حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب
وإن كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب
واخترط الزبير سيفه ويقول : لا أغمده حتّى يبايع عليّ ، فقال عمر : عليكم الكلب « 1 » ! فأخذوا سيفه من يده . كما عن الإمامة والسياسة وتاريخ الطبري « 2 » والرباض النضرة « 3 » وغيرها .
وذكر ابن قتيبة : أنّ عليّاً كرّم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله على دابّة ليلًا في مجالس الأنصار ، تسألهم النصرة فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به ، فيقول عليّ كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله ( ص ) في بيته لم أدفنه انتهى .
وأمّا أنّه لم يحارب أبا بكر كما حارب معاوية فوجهه ، واضح فإنّ القوم بايعوا أبا بكر ولم يكن مع عليّ إلّا نفر قليل ، لا يمكنهم منازعة المخالفين ومحاربتهم ؛ فخوف أبي بكر وضعفه لا يكونان دليلًا على تمكّن عليّ من حرب جماعة كثيرة من أهل المدينة وغيرها بالضرورة ، فقياس حربه ومعه جيشه مع ابن آكلة الأكباد على المقام من أسخف الأمور ، على أنّ في قعوده والاكتفاء بمجرد البيان والكلام - سواء صدر عنه ( ع ) أو عن الصدّيقة الطاهرة ( عليهاالسلام ) أو عن أصحابه الأجلّاء كما احتجوا على أبي بكر في المسجد دون القيام بالسيف والسنان مصالح أخرى يعرفها المخلصون الكاملون ، لا نذكرها ، وإنّما نختم الكلام بذكر بعض الروايات الواردة من طريق الجمهور :
فمنها : ما أخرجه الحاكم « 4 » وصحّحه هو والذهبي والخطيب في تاريخه « 5 » وابن كثير في
هامش
( 1 ) - هذا من عمر سبّ لصحابي كبير وهو الزبير ، والسبّ والضرب والقتل بينهم كانت شائعة ، ومع ذلك هؤلاء الأصحاب عدول أخبار عند العامّة .
( 2 ) - تاريخ الطبري 3 / 119 .
( 3 ) - الرياض النضرة 1 / 167 .
( 4 ) - مستدرك الحاكم 3 / 140 .
( 5 ) - تاريخ بغداد 11 / 216 .