فهو نبيّ ، وليس كلّ نبيّ فهو رسول ، وقد كان من أنبياء الله عزّو جلّ حفظة لشرائع الرسل وخلفائهم في المقام ، وإنّما منع الشرع من تسمية أئمتنا بالنبوّة دون أن يكون العقل مانعاً من ذلك ؛ لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء ( عليهم السلام ) ، انتهى .
أقول : لعلّ دعواه اتّفاق الإمامية إنّما هي على مجرّد أعمّية النبيّ من الرسول وأخصّيّة الرسول من النبيّ فقط ، وبقيّة ما أفاده إنّما هي ممّا أداه إليه نظره الشريف ، وهذا الاحتمال قريب جداً ، ولا أقل من الشكّ فليس لأحد أن يستظهر اتّفاق الإماميّة على جميع ما نقلناه من عباراته .
ومهما يكن فأعميّة النبيّ عن الرسول وإن كانت صحيحة كما مرّ بحثها لكن ليس كلّ رسول ذا شريعة كما يشعر به عبارة الشيخ المذكور ( قدس سره ) ولا أنّ النبوّة عبارة عن مجرّد حفظ الشريعة حتّى يصحّ اتّصاف أئمتنا بالنبوّة ويكون الممنوع هو استعمال لفظ النبيّ عليهم شرعاً ! وإلّا لكان هو وأضرابه به أعاظم العلماء أيضاً واجدين لمعنى النبوّة ، فإنّهم حفظة الشرع ، وهو كما ترى .
والمتحصّل ممّا سبق - لحدّ الآن - أنّ الإمامة تمتاز وتفترق عن النبوّة بأمور ثلاثة :
1 - وصول الوحي إلى النبيّ بلا توسّط إنسان ، ووصول الإلهام إلى الإمام بعد عرضه على النبيّ ، بل وعلى إمام قبل الإمام الملهم .
2 - أصالة منصب النبيّ ، ونيابة منصب الإمام ، وخلافته عن الرسول ( ص ) .
3 - رؤية النبيّ الملك أو الحكم الشرعي في الرؤيا ، ومعاينة الرسول الملك يقظة . والإمام ليس كذلك ، وإنّما يستمع صوت الملك في اليقظة فقط ، ولا أظنّ بالقارئ المنصف أن يستبعد هذا المعنى في أئمة أهل البيت فإنّ تحدّث الملائكة لا يخصّ الأنبياء والرسل ، بل اتّفق لبعض الأولياء أيضاً ، كما ينطق القرآن :
( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ )
« 1 »
،
( قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا * قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ )
« 2 » إلخ ، فمريم ( عليهاالسلام ) لم تكن نبيّة ولكن كانت محدّثة . ومثلها أم إسحاق ( عليهاالسلام )
( قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ )
« 3 »
.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - شيخ رواة الأمويين - عنه ( ص ) : « لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون - بفتح اللام - من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمّتي
هامش
( 1 ) - آل عمران 3 / 42 .
( 2 ) - مريم 19 / 19 - 20 .
( 3 ) - هود 11 / 73 .