شيء منها ، بل جاز اتصافه في كلّ منها ، لا بدلًا فقظ ، بل ومعاً أيضاً ، وجواز اتصافه به في كلّ منها معاً هو إمكان اتصافه بالوجود المستمر في جميع أجزاء الأزل بالنظر إلى ذاته ، فأزلية الإمكان مستلزمة لإمكان الأزلية . . . إلى آخره .
قلت : وجود الممكن أزلًا غير ممكن ؛ لاستلزامه تحصيل الحاصل أو استغنائه عن العلة ، كما قررناه في مسألة حدوث العالم ، وكلا الأمرين محال باضرورة ، فالأشياء في الأزل ممكنة بالإمكان الذاتي ، لكن لا يمكن وقوعها لاستلزامه المحال المزبور .
الثاني : أنّ صفاته - تعالى - كمال ، فخلوه عنها نقص ، والنقص عليه محال إجماعا ، فلا يكون شيء من صفاته حادثاً .
قال العالمة ( قدس سره ) « 1 » : ولأنه إن كان صفة كمال استحال خلو الذات عنه ، وإن لم يكن ، استحال اتصاف الذات به .
أقول : هذا الاستدلال يتقوّم بأمرين :
1 - استحالة النقص عليه ، وسيأتي بحثها في المطلب الآتي .
2 - أنّ كلّ ما يحلّ به تعالى لابد وأن يكون كمالًا .
أقول : فإن قال الخصم بحلول ما يصدر عنه تعالى اختياراً به فلا دافع عنه ، فإنّ الكمال في الأفعال هو حسنها وكونها ذات مصالح ، ومن المعلوم المتفق عليه أنّ مثل هذا الكمال لا يستلزم قدم الكامل ، كيف وجميع أفعاله الحادثة كمال بهذا المعنى ؟
بل يمكن أن يقال : أنّه لا يلزم أن تدوم كمالية الحال ليجزي عليه هذا السؤال ؛ لاحتمال كونه كمالًا وقت حلوله لا قبله ، ألا ترى أنّ الغضب كمال لناحين الدفاع عن الناموس أو المظلوم ؟ وليس كذلك قبله ، فمجرد خلوه عن كمال لا يوجب اتصافه بالنقص .
وربما يقال « 2 » أيضاً : لِمَ لا يجوز أن يكون ثمّة صفات كمال متلاحقة غير متناهية لا يمكن بقاؤها واجتماعها ، وكل لا حق منها مشروط بالسابق على قياس الحركات الفلكية عند الحكماء ، فلا ينتقل حينئذٍ عن الكمال الممكن له إلّا إلى كمال آخر يعقبه ، ولا يلزم الخلو عن الكمال المشترك بين تلك الأمور المتلاحقة ، وأمّا الخلو عن كل واحد منها فإمّا لامتناع بقائه ولا نسلّم امتناع الخلو عن مثله ، وإنّما الممتنع - وهو الخلو عن كمال - ممكن بقاؤه . وأمّا لأنّه لو لم يخل لم يمكن حصول غيره ، فيلزم حينئذٍ فقد كمالات غير متناهية ، فكان فقد كل واحد لتحصيل كمالات غير متناهية هو الكمال باحقيقة .
هامش
( 1 ) - شرح التجريد / 181 .
( 2 ) - شرح المواقف 3 / 29 .