المطلب التاسع : في نفي اللذّة والألم عنه تعالى
أمّا نفي اللّذة والألم المزاجيين عنه تعالى ، فلانتفاء المزاج عنه ، وهو واضح ، وأمّا نفي الألم العقلي فلأنّه لا منافي له في الوجود أصلًا ليتألّم من إدراكه ، فإنّ الكل قائم بإرادته ، موجود بمشيته . وهو الفاعل لما يشاء ، ولا يفعل ما يشاء أحد غيره .
لا يقال : أليس معاصي العباد وتمرد المكلفين عن طاعته موجبةً لتألّمه ؟ ! وكيف لم تكن موجبة له ، والحال أنّه يغضب ويسخط على الكافرين والظالمين كما أخبر في قرآنه الكريم ؟ !
فإنّه يقال : جميع ما يصدر في دار الوجود بإرادة الله ، كما يدل عليه أدلة التوحيد :
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
« 1 »
.
و
قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
« 2 » . ومن الضروري أنّ المختار لا يوجد باختياره ما ينافره ويتألّم منه قطعاً ، وأمّا غضبه وسخطه فهما ليسا بمعنى التألّم ، بل معنى العقاب والعذاب غير المستلزم للتألّم ، ألا ترى أنّ الرئيس ينتصف من الظالم للمظلوم حفظاً لنظام الرعية وأمان المملكة ، مع أنّه قد لا يتألّم من مظلومية المظلوم لعدم ارتباطه به ؟ فعقابه تعالى للكافرين ناشٍ من المصلحة الواقعية دون العواطف والتألم النفساني ، وهذا واضح .
ثم لا أظنّ أن تتوهم ممّا ذكرنا من استناد الكلّ إلى إرادته تعالى الجبر وسلب الاختيار عن المكلفين ، فإنّ ما ذكرنا لا ينافي الاختيار والأمريين بين الأمرين ، كما ستطلّع عليه في مباحث المقصد الخامس إن شاء الله .
وأمّا اللذّة العقلية فقد أثبتها الحكماء له تعالى ، وقالوا : إنّ ذاته تعالى أجلّ مدرك بالكسر ؛ لأنّ ذاته حاضرة لدى ذاته ، لا ماهية له فضلًا عن المادة والموضوع ، وما تناله المدارك بوجودات متشتتة ، يناله بمدرك واحد جمعي هو ذاته المتعالية بأتمّ إدراك ؛ لأنّ علمه حضوري ذاتي تفصيلي بغيره ، فكيف بذاته ؟ لأبهى مدرك لكونه غير متناهٍ في البهاء والجمال ، فهو مبتهج بذاته وعاشق لذاته بنهجة أقوى وبنحو أتمّ ، فإنّ تمامية الابتهاج تدور على تمامية هذه الأشياء .
هامش
( 1 ) - آل عمران 3 / 78 .
( 2 ) - الرعد 13 / 16 .