العلم هو نفس ذاته المقدسة ، فوجود صفاته عين وجود ذاته .
وقد تقدم أنّ قيام المبادئ بذويها على أنحاء مختلفة ، والمشتقّات لم توضع لواحد معين بخصوصه ، بل لمجرد القيام ، والخصوصية مستفادة من الخارج « 1 » ، ألا ترى أنّ قيام العقل ربما يكون حلولياً كما في قولنا : زيدا عاقل ، وربما يكون ذاتياً كما في قولنا : العقل عاقل - عالم - ، وقيام الضوء ربما يكون صدورياً ، وربما حلولياً ، وربما ذاتياً ، كقولنا : الشمس مضيئة القبّة مستضيئة والضوء مضيء ؟
وبالجملة : لا مجال لقياس الواجب على الممكن ؛ لتباين أحكامهما وتفاوت آثارهما .
أليس العلم مثلًا لازماً لذاته تعالى عندهم ؟ ! وليس كذلك لنا ، أليس الرضا والغضب فينا بمعنى يمتنع عليه تعالى ؟ فهل يعقل أن يقال : إنّ العرف لا يفهم من الغضب والرضا إلا ما يحلّ بنا فنقيس الغائب على الشاهد ؟ !
وبالجملة م العرف إنّما هو يتبع في بيان المفهومات فقط ، وأمّا تشخيص المصداق وخصوصيات الأفراد وكيفية تطبيق هذه المفاهيم على مصاديقها فهو بحكم العقل . فنحن نتبع العرف في أنّ مفهوم العالم من انكشف لديه الأشياء ، وأمّا كيفية هذا الانكشاف وقيام العلم بذات العالم فهما تابعان لخصوصية الموارد والمصاديق . فافهم حتى لا تكون من المشبّهة ومن الذين قلّدوا العوامّ في أصول دينهم فكان عاقبة أمرهم خسراً .
فتحصّل أنّ هذا الفاضل وإن تفرد - بزعمه - عن أصحابه في الاستدلال ، لكنه ما أتى بشيء يجدي لرفع تحيرهم . وغاية كلامه متابعة أهل السوق في فهم أسرار التوحيد ! !
وبعد ذلك كله فقد حان أن نقبل القول الأول وندين به ، فإنّ بطلان الأقوال الخمسة المذكورة يعيّن الالتزام به ، ولأنّه أليق بذاته تعالى ، ولأنّه لا محذور فيه أصلًا ، وهذا هو مذهب أئمة أهل بيت نبينا ( ص ) ومذهب الإمامية وكثير من المسلمين من غيرهم ، كما مر في كلام شيخنا المفيد ( رحمه الله ) .
تدليل وتدعيم
والذي يدل من العقل والنقل على صحة القول بالعينية ونفي الزيادة الذي سمّاه أمير المؤمنين ( ع ) بكمال الإخلاص وابنه الرضا ( ع ) بنظام التوحيد وكماله ، أمور :
1 - حلول الصفات المتباينة المذكورة الثمانية - أو أكثر منها - بذاته تعالى ، وقيامها بها ،
هامش
( 1 ) - راجع مبحث : تكلّمه تعالى في الجزء الأول .