ثم إن هذين الوجهين المذكورين ليسا من الأدلة الإنية ولا من البراهين اللمية ؛ لعدم انتقال فيهما من العلّة إلى المعلول ولا من المعلول إلى علّته ، بل هما من شبه اللم كما يظهر من كلمات عدّة من أكابر الحكماء .
الصراط الثالث : ما نقلناه سابقا من المحقّق الطوسي قدّس سرّه في إبطال التسلسل ، فإنّه يفضي إلى معرفة الواجب الوجود ، ويجوز أن نعبّر عنه بألفاظ أخرى فنقول : لا يمكن أن يكون ممكن ما من الممكنات منشأ لوجوب الممكنات ، ولا لامتناع طريان العدم علّيها بالكلية ، فلا بدّ من واجب .
وبوجه آخر : إن الممكن لا يستقلّ بنفسه في وجوده وهو ظاهر ، ولا في إيجاده لغيره ؛ لانّ مرتبة الإيجاد بعد مرتبة الوجود ، فإنّ الشيء ما لم يوجد لم يوجد ، فلو انحصر الموجود في الممكن لزم أن لا يوجد شيء أصلا ؛ لأنّ الممكن وإن كان متعدّدا لا يستقلّ بوجود ولا ايجاد ، وإذ لا وجود ولا إيجاد فلا موجود لا بذاته ولا بغيره ، إلى غير ذلك من التقارير والتعابير .
الصراط الرابع : الممكن موجود بلا ريب ، فإنّ الأجسام مركّبة ، وكلّ مركّب ممكن ، والأعراض لمكان حاجتها إلى موضوعاتها ممكنة ، بل حدوث بعض الأشياء وفقدانها وفناؤها محسوس فهو ممكن . ومهم يكن من شيء فالممكن موجود قطعا بل ضرورة ، فيكون الواجب موجودا بالضرورة لما مرّ من احتياج الممكن إلى الواجب ، ومن بطلان الدور والتسلسل ، ولعلّ قوله تعالى :
أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
« 1 » يشير إلى ذلك ، فإنّ الممكن لا يمكن أن يكون خالق نفسه لما عرفت في بطلان الور ، ولا يمكن أن يوجد بلا خالق فإنّه ترجّح بلا مرجح ، ويمكن إدراج نفي التسلسل أيضا في هذا الفرض كما يظهر بالتأمل .
ثم إنّ هذا الدليل الإني أساس لعدّة من الدلائل الأخرى .
الصراط الخامس : ما سلكه المتكلّمون فقالوا : إنّ العالم حادث ، وكلّ حادث له محدث كما تشهد به بديهة العقل ؛ ولذا من رأى بناء حادثا حكم حكما بتيا جزميا بأنّ له بانيا . وعن أكثر مشايخ الاعتزال أن هذه المسألة - أي الكبرى - استدلالية ، وقد استدلّوا عليه بوجهين « 2 » لكن ذلك خطأ وما استدلوا به غلط .
ثم إنّ هذا المحدث الصانع إن كان حادثا احتج إلى مؤثّر آخر ، فيلزم الدور أو التسلسل وهما محالان ؛ وان كان قديما أو منتهيا إلى القديم فقد ثبت المطلوب .
هذا ، ولكن جملة من الفلاسفة لم يرتضوا بسلوك هذا الصراط لوجوه ثلاثة :
الأول : تفنيد حدوث العالم بشر اشره ، بل منه ما هو قديم ومنه ما هو حادث .
هامش
( 1 ) الطور 52 / 35 .
( 2 ) شرح المواقف 3 / 3 .