المقصد الأول في بيان الطرق إلى معرفة الواجب لذاته
وهو من أشرف المقاصد وأعظمها وأجلها وأهمها ، بل لا تكتسب مسألة عملية شرفا وفضلا ما لم تخدم هذا المقصد ، فهو آخر ما تناخ به الرواحل العقلية في سفر السعادة والفضيلة .
ألا بذكر الله تطمئن القلوب
ألا إلى الله تصير الأمور
.
وصرط التصديق الحقّة المستقيمة إلى الواجب القديم القدوس الأقدس - جلت كبريائه وعظم سلطانه - متعددة ، وإليك منها ما يناسب هذه الرسالة :
الصراط الأول : إن العقل لا يرى الموجود الواجب لذاته مستحيلا ، بل يحكم بإمكانه إمكانا عامّا ولا سيما قد شاهد الواجب الذاتي بنحو مفاد كان الناقصة ، مثل زوجية الأربعة ، ورطوبة الماء ، ودسومة الدهن ونحوها ، فإذا أمكن . وجد وثبت من دون شرط وسبب على ما أسلفنا برهانه .
وهذا الصراط أشرف الصرط المذكورة في هذا المقصد ليس له زيادة مؤونة ، ولا توقّف له على استحالة الدور والتسلسل ، بل ولا على وجود ممكن ، كل ذلك ظاهر جدا .
ولزيادة التأكيد لحكم العقل بعدم امتناع الواجب نقول : إن العقلاء - مليين كانوا أو ماديين « 1 » - اتفقوا في كلّ زمان ومكان على الاذعان بوجود المبدأ الأوّل في الخارج ، وهذا ممّا يؤيد استقلال العقل بعدم امتناع مثل هذا الوجود . والعجب من ذهول الباحثين عن هذا البرهان حيث لم يذكروه في هذا المقام « 2 » .
الصراط الثاني : إن الأحاسيس قد قضت على أنّ في الخارج موجودا ما ، فهو إن كان واجبا لذاته فقد حصل الغرض ، وإن كان ممكنا فهو يستلزم المقصود لاستحالة الدور والتسلسل وهذه الحجّة غير قائمة بوجود الممكن كما هو ظاهر .
هامش
( 1 ) غير من قال منهم بجواز الترجح بلا مرجح ( ان كان ) .
( 2 ) وبه يمكن أن يفسّر ما أثر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام : يا من دلّ على ذاته بذاته ؛ وما عن السجاد عليه السّلام : بك عرفتك وأنت دللتني عليك .