4 - جواز الكذب عليه مستلزم للظلم على العباد ؛ إذ يجوز حينئذ أن يأمر بالمفاسدة ويخبر عن المهالك ، وأن ينهي عمّا هو مصالحهم ومنافعهم ، وهذا ظلم .
أقول : وفيه أولا : إن الملازمة ممنوعة ، إذ جواز الكذب لا يلازم الظلم نفسه بل جوازه .
وثانيا : إن هذا ليس بدليل لمي ولا إني ، فإن المقدم لا علّية ولا معلولية له للتالي ، بل بطلان الكذب وبطلان الظلم كلاهما معلولان لبطلان القبح وعدم صدوره عن اللّه الحكيم ، فتفظن .
5 - الكتاب والسنة كقوله تعالى :
ومن أصدق من الله قيلا
.
أقول : الاستدلال بالأول دور مصرّح ، وبالثاني دور مضمر كما هو ظاهر .
6 - اتّفاق الملل عليه .
أقول : وجهه ما مرّ فليس بدليل مستقل .
7 - إخبار الأنبياء والأوصياء بذلك بالتواتر .
وفيه : ما في سابقه مع أنّه ليس هنا خبر واحد صحيح نقل عن أحدهم في هذا الباب . وإنّما نعلم ذلك - أي اخبار الأنبياء بصدقه تعالى - من جهة ما مر من الدليل العقلي ، كل ذلك ظاهر .
وأما الذين ينكرون الحسن والقبح العقليين بلسانهم فاستدلّوا على إثبات صدقه تعالى بأمور :
1 - الأول إن الكذب نقص ، والنقص عليه محال إجماعا ، وأيضا فيلزم على تقدير أن يقع الكذب في كلامه أن نكون نحن أكمل منه في بعض الأوقات ، أعني وقت صدقنا في كلامنا .
2 - إنه لو اتّصف بالكذب لكان كذبه قديما ؛ إذ لا قوم الحادث بذاته تعالى ، فيلزم أن يمتنع عليه الصدق المقابل لذلك الكذب ، وإلّا لجاز زوال ذلك الكذب وهو محال ، فإن ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، واللازم باطل ، فإنا نعلم بالضرورة أن من علم شيئا أمكن له أن يخبر عنه على ما هو عليه .
3 - وعليه اعتمادهم لصحّته ودلالته على الصدق في الكلام النفسي واللفظي معا ، وهو خبر النبي صلّى اللّه عليه واله بكونه صادقا في كلامه كلّه . وهذا ممّا يعلم بالضرورة من الدين ، بل نقول تواتر عن الأنبياء عليهم السّلام كونه صادقا .
لا يقال : صدق النبي موقوف على تصديق اللّه إياه ، وهو موقوف على كونه تعالى صادقا ، فلو ثبت صدقه تعالى بصدق النبي لزم الدور .
فإنه يقال : تصديق النبي غير موقوف على صدقه تعالى بل على المعجزة ، فهو تصديق فعلى لا قولي ، ودلالتها على التصديق دلالة عادية لا يتطرّق إليها شبهة .
أقول : أمّا الوجه الأول فهو مخصوص بالكلام النفسي - كما صرح به الجرجاني - دون