الفريدة الخامسة في صدقه تعالى
لا شكّ في أنه صادق في كلامه وإخباره ، فإن الكذب قبيح وهو ينافي حكمته البالغة المبرهن عليها سالفا ، فلا يصدر عنه الكذب بالضرورة .
ثم إن الصدق وإن من نعوت الكلام باعتبار مطابقته للواقع ، لكن مرادنا هو الأعم ، وهو عدم إغرائه غيره بخلاف الواقع سواء كان من ناحية التكلم أو من جهة الإلهام أو من جانب النقش في اللوح أو من غيرها . فهو وإن كان قادرا على جميع القبائح إلا أنه لا يفعلها البتة ؛ لأنه حكيم كما عرفت .
وهنا وجوه أخر استدلّ بها على هذا الوصف كما في كفاية الموحّدين وغيرها :
1 - لا داعي للكذب سوى العجز والاضطرار المنفيين في حقّه تعالى فهو صادق .
أقول : حصر الداعي فيما ذكر ممنوع ، كما يظهر ممّا قلناه في حكمته تعالى ، فهذا البيان ناقص إلا أن يرجع إلى ما قرّرناه .
2 - لو جاز عليه الكذب لارتفع منه الوثوق والاعتماد بوعده ووعيده ؛ لاحتمال تخلّفه في ثوابه وعقابه ، والتالي مخالف لضرورة العقل فكذا المقدم .
أقول : وهذا من قبيل إثبات العلّة بالمعلول ثبوتا وهو باطل جزما .
وإن شئت فقل : إن الوثوق المذكور إنّما يحصل من أجل أنه صادق فلو عكس لجاء الدور المحال .
هذا ، ولكن العضدي والجرجاني والقوشجي نقلوا هذا الوجه عن المعتزلة بنحو آخر ، وهو :
إن في ارتفاع الوثوق عن إخباره تعالى بالثواب والعقاب وسائر ما أخبر به من الأحوال الآخرة والأولى ، فوات مصالح لا تحصى ، والأصلح عليه واجب ، فلا يجوز الاخلال به .
أقول : وجوب الأصلح إن تمّ فهو لأجل محذور القبح كما يأتي ، وهو يكفي لإثبات صدقه بلا توسيط الوجوب المذكور .
3 - لو جاز عليه لانتفى فائدة الترغيب في الطاعات والترغيب على المعاصي . وفيه ما تقدم .