صدر مقدورا عن فعل القادر . . . الخ « 1 » .
وفي مختار الصحاح : قدر الشيء مبلغه .
قلت : وهو بسكون الدال وفتحها ، ذكره في التهذيب والمجمل ، وقدر اللّه وقدره بمعنى ، وهو في الأصل مصدر . . . والقدر أيضا ما يقدره اللّه من القضاء . إذا تقرّر ذلك فالكلام يقع فيه من جهات :
الأولى : في عموم تعلّقه بكلّي شيء ، وهذا ممّا لا يحتاج إلى دليل ؛ إذ كلّ شيء لا بد له من حدّ خاصّ من جميع الجهات بلا شك ، وقد مرّ أن كلّ شيء - بجميع حالاته وأوصافه - ثابت في علم اللّه ومذكور في اللوح .
ولا نعنى بالقدر إلّا تحديد الشيء من جميع جوانبه ، فقد ثبت أن كلّ شيء بقدر اللّه سبحانه ، ولعلّه المؤمى إليه بقوله تعالى :
إنا كل شيء خلقناه بقدر
« 2 » ، وقوله تعالى :
وكل شيء عنده بمقدار
« 3 » . وأما ما في تفسير الرازي من احتمال كون القدر في الآية الأولى بمعنى التقدير أو المقدار أو القدر المقابل للقضاء فمن الفضول ؛ إذ المقدار والتقدير عين معنى القدر الذي هو مقابل للقضاء كما عرفت ، وهو المدلول عليه لبعض الروايات أيضا و « 4 »
الثانية : في أن النهي الوارد عن الكلام في القدر « 5 » لا يشمل شرح مفهومه وبيان مدلوله كما فعلنا ، بل الظاهر أنه راجع إلى السؤال عن علّة تقديره تعالى وأنّه لم قدّر كذلك ؟ وما قدر كذا ؟
فإن عقول الناس لا تصل إلى علل الأشياء أبدا . فوزانه وزان قوله تعالى :
لا يسئل عما يفعل
« 6 » وهذا الذي استظهرنا هو أحد احتمالي كلام شيخنا المفيد قدّس سرّه « 7 » في هذه المسألة .
الثالثة : في أنه ذمّت القدرية في أخبارنا اشدّ الذمّ ، وأن قوله تعالى :
ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر
« 8 » نزل في حقهم . وورد أيضا التحريض على الإيمان بالقدر وعدم التكذيب به « 9 » .
وقال الرازي عند تفسير هذه الآية : أكثر المفسرين اتّفقوا على أنّها نازلة في القدرية . . .
هامش
( 1 ) وقد تسكّن داله ، ومنه : ليلة القدر كما قال .
( 2 ) القمر 54 / 49 .
( 3 ) الرعد 13 / 8 .
( 4 ) البحار 5 / 93 و 95 و 114 وغيرها .
( 5 ) البحار 5 / 97 و 110 و 126 .
( 6 ) الأنبياء 21 / 23 .
( 7 ) شرح عقائد الصدوق / 20 .
( 8 ) القمر 54 / 48 و 49 .
( 9 ) وهذه الروايات منتشرة في أوائل الجزء الخامس من البحار .