الناحية الثانية : في إثبات إرادته تعالى
لا ريب في إثبات إرادته تعالى ، فإنّ القرآن والسنّة تدلّان عليه دلالة قطعية ، وقد نقلوا اتّفاق أهل الملل والنحل عليه ، بل وإطباق العقلاء أيضا ، وقالوا : إنّه من الضروريات الدينية .
واستدلّوا عليه مضافا إلى ذلك من العقل بأن اللّه تعالى أوجد بعض الممكنات دون بعض ، وفي زمان دون زمان ، فلا بدّ لهذا التخصيص من مخصّص وهو الإرادة ؛ إذ وجوده وقدرته وعلمه وحياته متساوية إلى وجود الأشياء وعدمها ، وإلى تمام الأزمان .
وهذا الدليل تامّ حتى عند من يرى جواز الترجيح بلا مرجّح ، فإنّه لا ينكر الإرادة بل ما يدعو إلى العمل من اعتقاد نفع أو غيره ؛ ولذا يصرّح بان الهارب من السبع يرجّح أحد الطريقين المتساويين بإرادته بلا مرجّح آخر ، فما ذكره المحقّق الطوسي - من عدم جريانه على القول الأخير - غير تامّ « 1 » ، لكن من يفسر إرادته تعالى بنفس الإيجاد والإحداث ، فلا يرى لهذا الاستدلال صحّة ، ولذا صرح شيخنا المفيد بأن إثبات الإرادة للّه تعالى من جهة النقل دون العقل « 2 » .
الناحية الثالثة : جريان التعبّد في الإرادة
ذكرنا في المباحث السابقة المعيار في جريان التعبّد الشرعي وعدمه في الأصول الاعتقادية وفروعها ، وعليه لا شكّ في جريان التعبّد في هذه المسألة ، فإذا ثبت من الشرع ما يفسّر به مفهوم إرادته تعالى ، ولم يكن من العقل على خلافه محذور ، يتّبع لا محالة .
الناحية الرابعة : في بيان الأقولا في الإرادة
فعن الحكماء كما في جملة من كتبهم : أنها العلم بالنظام الأصلح .
وعن متكلّمي الإمامية « 3 » أو جمهورهم « 4 » أو مشهورهم « 5 » وجماعة من رؤساء المعتزلة « 6 » : أنّها العلم بما في الفعل من المصلحة ، ويسمونه بالداعي .
وعن الأشاعرة وجمهور معتزلة البصرة : أنّها صفة ثالثة مغايرة للعلم والقدرة ، وهي توجب
هامش
( 1 ) شرح قواعد العقائد / 41 .
( 2 ) أوائل المقالات / 19 .
( 3 ) مرآة العقول / 76 .
( 4 ) حاشية الآشتياني على رسائل الشيخ / 35 .
( 5 ) بحار الأنوار 4 / 136 .
( 6 ) شرح المواقف 3 / 67 .