يطلبه العبد من ربّه إن كان قد جرى قلم التقدير بانفاذه فهو كائن لا محالة ، ولا حاجة إلى الدعاء والتوسّل ، وإن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبدا ولم ينفعه الدعاء ، يترك التضرّع إلى خلقه .
وهذا هو سرّ ما ورد في روايات كثيرة « 1 » عن أهل البيت عليهم السّلام من الاهتمام بشأن البداء ، كقول الصادق عليه السّلام في رواية هشام بن سالم :
« ما عظم اللّه عزّ وجلّ بمثل البداء »
، وقوله عليه السّلام في رواية محمد بن مسلم :
« ما بعث اللّه عزّ وجلّ نبيا حتى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار بالعبودية ، وخلع الأنداد ، وأن اللّه يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء » .
والسرّ في هذا الاهتمام : أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأنّ اللّه غير قادر على أن يغيّر ما جرى عليه قلم التقدير ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، فإنّ كلا القولين يؤيّس العبد من إجابة دعائه ، وذلك يوجب عدم توجّهه في طلباته إلى ربّه مع أن القرآن يحثّ العبد بالتوجّه إلى ربّه .
أقول : ولنعم ما قال الصادق عليه السّلام في رواية مالك الجهني « 2 » :
« لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه »
. وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين الذي كلّ يوم هو في شأن .
الجهة السابعة : في أن معلوماته أكثر من مقدوراته
قد ثبت ممّا تقدّم أن معلوماته تعالى أكثر من مقدوراته ، فإن علمه تعالى يشمل الممكنات والضروريات والممتنعات وجميع المفاهيم الاعتبارية والانتزاعية ، وأمّا قدرته فهي تختصّ بالممكنات ، فحينئذ يمكن أن يتوهّم أحد أن هذا ينافي ما عليه الإمامية والحكمء من عينية صفاته مع ذاته تعالى ، وعينية كلّ صفة مع صفة أخرى خارجا ؛ إذ لو كان القدرة والعلم أمرا واحدا لما تفارقا في كثير من الموارد .
وجوابه : أن الاختلاف لا يرجع إلى الصفة بل إلى المتعلّق ، فإن الأشياء بين ما يقبل المقدورية وبين ما لا يقبلها حينما يقبل جميعها المعلومية ، فإذن لا منافاة بين أكثرية المعلومات وعينية قدرته مع علمه جلّ جلاله ، كما لا منافاة بين العينية المذكورة وثبوت الإضافة للعلم والقدرة دون الحياة ، فإن اتّصافه بالحياة والموجودية لا يتوقّف على شيء ولا تعلّق لهما بشيء ، وذلك يرجع إلى اختلاف المفاهيم ، فإنّ مفهوم الحياة والوجود مغاير لمفهوم العلم والقدرة حتى في الواجب الوجود ، وإنّما الوحدة في جانب المصداق والخارج .
هامش
( 1 ) ذكرها المجلسي في الجزء الرابع من البحار .
( 2 ) أصول الكافي 1 / 148 .