المسلك الأول : ما ذكره أرسطو في اثولوجيا « 1 » من أن الأشياء عند الباري جلّ ذكره كاملة تامّة ، زمانية كانت أو غير زمانية ، وهي عنده كانت أولا كما تكون عنده أخيرا ، وقال : الأشياء هناك دائمة لا تتغير بل على حال واحد . . . الخ
أقول : وتوضيح ذلك : أن نسبة جميع الأزمنة إليه تعالى كانت واحدة ، كما أن نسبة جميع الأمكنة إليه تكون واحدة ، بمعنى أن أعيان الموجودات الزمانية - قديمة أو حادثة - حاضرة عنده تعالى دفعة واحدة بلا اختلاف في القبلية والمعية والبعدية والمضي والحال والاستقبال ؛ لكونه تعالى بريئا عن الوقوع في شيء من الأزمنة كبراءته عن الووقع في شيء من الأمكنة ، بل هو محيط بقاطبة الزمانيات والمكانيات إحاطة واحدة ، وإنما ذلك الاختلاف لها بقياس بعضها إلى بعض وفيما بينها ، لا بالقياس إلى الحضور عنده تعلاى والمعية عنه .
وقد نسبه اللاهجي في شوارقه إلى ظنّ جماعة منهم الدواني في بعض رسائله ، وصاحب القبسات ، بل نسبه المجلسي « 2 » إلى محققي الحكماء ، بل نقله بعض عن جميع الحكماء ، ومثّلوا ذلك بخيط مختلف الأجزاء بالسود والبيض ، فإنه إذا نظر إليه الإنسان مثلا يلاحظ مجموع تلك الأجزاء المختلفة الألوان دفعة واحدة ، ويرى الجزء الأسود في موضعة والأبيض في موضعه ، كليهما مع وفي آن واحد ، بخلاف الحيوان الضيق الحدقة كالنملة ، فإنه يرى كل جزء يوصل إليه في آن وصوله إليه ولا يرى الجزء الذي بعده أو قبله في هذا الآن بل في آن هو بعد ذلك الآن أو قبله .
وقد ارتضاه اللاهجي في كتابه المسمى ب « گوهر مراد » « 3 » وقال : إن هذا التحقيق منقول من الحكماء السالفين ، وإن المحقّق الطوسي قدّس سرّه قرّره في شرح رسالة العلم بأتمّ الوجوه . وذكره غيره من المحققين أيضا ، وجعل تصحيح العلم الحضوري في الواجب معلّقا على هذا التحقيق ، وقال :
إنا بيّنا هذا المعنى في حواشي إلهيات التجريد بحيث لم يبق للتأمّل فيه مجل . هذا ولكن المذكور في شوارقه عدم ارتضائه ذلك .
وأما نسبته إلى المحقق الطوسي فهي في محلها كما يظهر من عبارته المحكية في الشوارق « 4 » .
وممّن اختار هذا الطريق ، المحدّث الكاشاني في كتابه الوافي ، « 5 » فإنه ذكر في باب نفي
هامش
( 1 ) نقله العلامة المجلسي قدّس سرّه في بحار الأنوار 14 / 59 .
( 2 ) البحار 4 / 72 .
( 3 ) گوهر مراد / 195 .
( 4 ) الشوارق ، أواخر المجلد الثاني .
( 5 ) الوافي 1 / 77 .