فإذا علم بعضها فقد علم الجميع وإلّا لزم الترجيح بلا مرجح وهو باطل .
أقول : الظاهر أن الدليل تامّ لا بأس به ، غير أنه يجب أن يقال في تقريبه : إنه قد ثبت له العلم في الجملة ، بدل قولهم : الموجب للعلم هو ذاته ، فإنه ناظر إلى زيادة الصفات على ذاته تعالى وهي باطلة عندنا ، وما ذكرنا يشمل كلا المذهبين .
قال اللّه تعالى :
والله بكل شيء عليم
« 1 » وقال :
عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين
« 2 » وقال :
ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد
« 3 » . . .
وإلى غير ذلك من الآيات الشريفة . وعن نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السّلام « 4 » : « يعلم عجيج الوحوش في الغلوات ، ومعاصي العباد في الخلوات ، واختلاف النينان في البحار الغامرات ، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات » . ومثله كثير .
وإن فسّرناه بأنه تعالى عالم من الأزل بجميع الأشياء والأحوال والتقادير إلى الأبد ، فهذا هو البحث الغامض المعضل الذي لا نظير له في الصعوبة في علم الكلام ، والإنصاف أن إثبات هذه المسألة عقلا مشكل جدا ، ولم أر له أثرا في كتب الكلام أصلا ، وكيفما كان فهنا أمران :
الأول : إن اللّه عالم بجميع الأشياء من الأزل وعلمه كذاته أزلي ، كما اتّفق عليه الفلاسفة والمتكلّمون سوى قوم شاذّ ونفر قليل منهما ، وهذا هو الثابت من الديانة الإسلامية ثبوتا قطعيا .
الأمر الثاني : إن العلم إما صفة حقيقية ذات إضافة ، أو صفة إضافية محضة فلا يمكن إلا بمتعلّق ، وإن شئت فقل : إنه إما نفس انكشاف الواقع أو ما يستلزمه ، وعلى كل تقدير لا بدّ له من معلوم ، فإذا قلنا : إنّه تعالى عالم بجميع الأشياء أزلا ، لا بدّ أن نلتزم بوجود جميع الأشياء خارجا أو ذهنا في الأزل مع أنه لا يلتزم به أحد ، فإن العالم أو حوادثه غير موجودة في الأزل ، والواجب تعالى لا ذهن له حتى تنطبع فيه الصور ، هذا مع أن صورة الشيء لا تتولّد إلّا من إدراك الشيء ولو بوجه ، وهو ها هنا ( أي في القدم ) أول الكلام ، فإذن لا يتعقّل معنى أنه تعالى عالم بالأشياء أزلا ، فظهر أن الجمع بين الأمرين صعب أو غير ممكن عقلا ؛ فلذا اختلفت الانظار وتشتّت الأفكار وكثرت الأقوال ومع ذلك لم تنجل المسألة ولم تنحل المشكلة ، بل ازدادت مصاعبها .
وأحسن ما قيل في المقام بحيث يمكن أن يعوّل عليه في المقال مسلكان :
هامش
( 1 ) النساء 4 / 176 .
( 2 ) سبأ 34 / 3 .
( 3 ) ق 50 / 16 .
( 4 ) البحار 4 / 92 .