فيها مجالا ، فإنّ المستفاد من الأمر بالارجاء عدم حجّيّة كلتا الروايتين في مدلوليهما ، ولا يستفاد من قول عليه السّلام : « فهو في سعة . . . » جواز الأخذ بإحداهما بحسب الظاهر ؛ فإنّه من المحتمل قويّا أن يكون مدلوله نفي الضيق الناشئ من قبل المتعارضتين المذكورتين ، فالسعة المذكورة نتيجة الإرجاء المأمور به ، وعلى هذا ، فهي لا تنافي التضييق الآتي من قبل سائر القواعد والأصول المحتّمة للفعل أو الترك .
ويحتمل أن يكون المراد بالسعة - حسب إطلاقها - التخيير بين الأخذ بأحد المتعارضين ، وبطرح كليهما ، وهذا الاحتمال لا دافع له حتى بملاحظة ما فصلّه السيّد الشهيد الصدر رحمه اللّه « 1 » ، وفي بعض ما أفاده نظر ، وفي جملة من الأخبار غير المعتبرة ما يؤيّد حمل السعة على الأخذ بأحد المتعارضين .
وفي صحيح منصور بن حازم ، قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب ، ثمّ يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر ؟ فقال : « إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان » . « 2 »
قلت : فأخبرني عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله صدقوا على محمّد أم كذبوا ؟
قال : « بل صدقوا » ، « 3 » قال : قلت : فما بالهم اختلفوا ؟ فقال : « أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب ثمّ يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب ، فنسخت الأحاديث بعضها بعضا » . « 4 »
يقول سيّدنا البروجردي بعد نقلها « 5 » : « فيستفاد من هذا وأمثاله أنّه يجب الأخذ بالأخير عند التعارض لولا مرجّح آخر للأوّل » .
أقول : الاستفادة المذكورة من هذه الرواية غير تامّة مطلقا . لاختصاصها بالأحاديث
هامش
( 1 ) . راجع : بحوث في علم الأصول ، ج 7 ، ص 338 .
( 2 ) . الظاهر أنّ المراد بالزيادة والنقصان هو المطلق والمقيّد ، والعامّ والخاصّ والإجمال والتفصيل ، كما يتّفق ذلك لكلّ مفت ، فإذا سئل عن وجوب نفقة الزوجة مثلا ربّما يجيب أنّها واجبة ، وربّما يجيب أنّها واجبة إذا كانت دائمة أو لم تكن ناشزة ، وهكذا . . . وكذا ما يراه المفتي مناسبا بحسب خصوصيات الموارد . ويدلّ عليه بعض الروايات أيضا .
( 3 ) . ليس المراد الإيجاب الكلّي حتّى ينافي كذب بعضهم عليه صلّى اللّه عليه واله في بعض الأمور .
( 4 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 65 .
( 5 ) . جامع أحاديث الشيعة ، ج 1 ، ص 67 .