وعلى بناء النفس البشريّة على أساس النظر إلى وحدة تجلّيات الحقّ في جميع مظاهر عالم الإمكان .
إن القرآن الكريم يعتبر الإنسان مخلوقاً مرتبطاً بجميع الموجودات الأخرى ، كما يعتبر روح الإنسان مرتبطة بجميع الأشياء ، بحيث يرى نور الحقّ المتعال سارياً في الإنسان وفي جميع الأشياء بأسرها ، ويسوق الإنسان إلى التوحيد في العقيدة والأخلاق عن طريق النظر والتأمّل والتفكّر في مخلوقات عالم الخلقة التي لا تُحصى .
والأخلاق القرآنيّة من أسمى وأرفع الأخلاق الكريمة ، حيث تبنى الوجود الإنسانيّ على نور توحيد الحقّ ، وبالنظر إلى وحدة ذاته القدسيّة ، ووحدة صفاته وأسمائه ، ووحدة أفعاله في كلّ شيء ، وتُقيم لبنات هذا البناء الروحي الشامخ على هذا الأساس والأصل .
ولذلك ، فإنّ الأخلاق المكتسبة من القرآن ليست منفصلة عن عالم الخلقة والأمور الطبيعيّة والتجريبيّة ومشاهدات عالم الخلقة ، كما أنّ عالم الخلقة وهذه السلسلة المتطاولة من الموجودات العجيبية المعقّدة ليست بدورها منعزلةً منفكّة عن روح الإنسان ؛ « 1 » فهي ممتَزجة مع بعضها امتزاج
هامش
( 1 ) - يقول المستشار عبد الحليم الجندي في كتاب « الإمام جعفر الصادق » ص 294 .
وفي منهج الاعتبار بالواقع أو بالآثار الدالّة على المطلوب « واقعيّة » أدنى إلى التصديق من مجازفات الفكر . وفي الواقع المادّي ضمان أن لا يبعد الاستخلاص من الملموس والمحسوس بالحواس الخمس . وهذه الواقعيّة أو النزاهة الفكريّة ، تسبق واقعيّة اوجست كومت ، بقرون عشرة ، وعقلانيّة ديكارت ، ، بقرون تسعة ، كما تسبق جون سيتورات مل ، ، ، في نظريّة اطِّراد العلل بقرون عشرة . وبهذه القرون يُقاس سبق الحضارة الإسلاميّة .
، اوجست كومتAuguse Come 1798- 1857 صاحب الفلسفة الواقعيّة في القرن الماضي . انتفع بمؤلّفات لبنتز وديكارت وفرنسيس بيكون والقدِّيس توماس الأكوينيّ وروجير بيكون ، والأخيران من أكبر مَن نشروا العلم الإسلاميّ وتأثّروا به . وكثير من كتاباتهما تَستعمِل تعبيرات إسلاميّة .
، ، جون ستيوارت مل 1806 - 1873 .
، ، ، ديكارتRene Descares( 1596 - 1650 ) .
1 - يقول عبد الحليم الجندي في كتاب « الإمام جعفر الصادق » ص 295 .
وربّما كان الكلام المنقول عن جابر بن حيان أوضح كلام في الدلالة على المنهج التجريبيّ الذي تعلّمه في مجلس الإمام أو من كتب الإمام .
يخاطب جابر الإمام في مقدِّمة كتابه « الأحجار » بقوله وحقّ سيّدي ! لولا أنّ هذه الكتب باسم سيّدي صلوات الله عليه لما وصلتُ إلى حرفٍ من ذلك إلى الأبد .
ويقول جابر في كتابه « الخواصّ » عن طريقته . اتعبْ أوّلًا تعباً واحداً . واعلمْ . ثمّ اعملْ . فإنّك لا تصل أوّلًا . ثمّ تصل إلى ما تريد .
وفي كتابه « السبعين » يقول . مَن كان دَرِباً ( مجرّباً ) كان عالماً حقّاً . ومن لم يكن درباً لم يكن عالماً . وحسبك بالدُّرْبَة في جميع الصنائع أنّ الصانع الدرب يَحذِق وغير الدرب يُعطِّل .
ويحصر جابر طريقته في عبارته المأثورة . عملته بيدي . وبعقلي . وبحثته حتى صحَّ وامتحنته فما كذب .
وفي هذا المقام يقول أستاذ الفلسفة الإسلاميّة المعاصر في جامعة القاهرة . د . زكي نجيب محمود . فلو شئتَ تلخيصاً للمنهج الديكارتيّ كلّه لم تجد خيراً من هذا النصّ الذي أسلفناه عن جابر .