جسم آخر .
ثمّ جعلنا تلك المُضغة عظاماً . وتتكرّر هنا مقولة تبدّل جسم إلى جسم آخر .
ثمّ إنّ الله كسى العظام لحماً ، فقال . ثمّ أنشأنا الإنسان خلقاً آخر . أي أنّنا جعلنا هذا الإنسان الجسميّ روحانيّاً ، فتبدّلت حقيقة هذه الأجسام المادّيّة إلى نفس إنسانيّة ناطقة .
فالمادّة إذاً تُزاح جانباً في
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
، وتتبدّل تلك المادّة إلى نفس مجرّدة . ويحصل هذا التغيّر بواسطة الحركة الجوهريّة فقط ، حيث تحرّك جوهر سلالة الطين فصار نطفةً ، ثمّ تحرّكت النطفة في جوهرها فأضحت علقةً ، ثمّ تحرّكت العلقة في جوهرها فغدت مُضغة ، ثمّ تحرّكت المغضة في جوهرها فاستحالت عظاماً ، ثمّ إنّ العظام المكسوّة باللحم تحرّكت في ذاتها وجوهرها فصارت نفساً ناطقة وروحاً آدميّة . وفي جميع هذه المراحل كانت هناك حركة الجوهر في المادّة ، وها هي المادّة قد تحرّكت فبلغت مرحلة التجرّد ومرحلة الروح .
ولقد عمد صدر المتألّهين الشيرازيّ ، الفيلسوف والنابغة الذي دافع عن حِمى القرآن والفلسفة القرآنيّة منذ أربعمائة سنة وإلى يومنا هذا ، والذي تصاغر أمامه أساطين الفكر ، إلى الاستعانة بهذا البحر القرآنيّ العميق نظير هذه الآية التي كانت مدار بحثنا الحالي ، فدحض فلسفة اليونان والمشّائين ، وأبدع من بنات أفكاره فلسفة قائمة على أساس التعقّل والإشراق والشرع الأنور المقدّس .
ولقد أثبت في كتابه الرفيع « الأسفار » . النَّفْسُ جِسْمَانِيَّة الحُدُوثِ وَرُوحَانِيَّةِ البَقَاءِ .
وسار الحكيم الجليل المفكّر ، التلميذ المبرّز لمدرسة صدر المتألّهين