الإعراض والإهانة ، فعاد وقد يئس منهم ، لكنّه لم يرجع عن حرفٍ من دعوته . ولم يكتفِ أهلُ الطائف بإعراضهم عنه ، بل أغروا بعض سفهائهم وعبيدهم أن يسبّوه ويصيحوا به ففعلوا ، حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى الحائط وردّوا السفهاء عنه فرجعوا ، فأحسّ عندئذٍ بما هو فيه من الضيق ، فشكا أمره إلى الله وعاد إلى مكّة ولم يغيّر ذلك شيئاً من عزيمته ، فلقيه قومُه هناك وهم أشدّ وطأةً عليه ممّا كانوا من قبل .
فاعتبر حاله بعد ذلك الرجوع وقد نبذه الناس قريبهم وبعيدهم ، مع علمه أنّه إذا رجع عن عودته لقي منهم ترحاباً وإكراماً كما صرّحوا له جهاراً ، لكنّه لم يكترث بشيءٍ من ذلك ولا همّه أمر الدنيا .
فلولا اعتقاده المتين بصدق الدعوة التي قام بها ، وأنّه مُنتدب لهذه الرسالة من قِبل الله سبحانه وتعالى ، لما صبر على كلّ ذلك » . « 1 »
أذى أهل الطائف لرسول الله
وقصّة ذهاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الطائف والمرارات والمحن التي عادت عليه من سفر ممّا يهزّ الإنسان ويزلزله .
نقل الطبريّ في تاريخه . « وكان رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يدعو الناس إلى الله في مكّة جهراً وعلانية ، وكان يصبر على أذاهم وتكذيبهم واستهزائهم ، حتى أنّ أحد الكفّار طرح عليه صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم رَحِم شاة وهو يصلّى ، وكان أحدهم يطرحها في بُرْمته « 2 » إذا نُصبت له . فكان رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم إذا طرحوا عليه ذلك الأذى ، يخرج به على العود ، فيقف به على بابه ( أي باب الذي ألقاه عليه ، وكانوا من جيرانه أو أقاربه ) ثمّ يقول .
هامش
( 1 ) - « تاريخ التمدّن الإسلاميّ » تأليف جرجي زيدان ، ص 33 و 34 .
( 2 ) - البُرمة . القدر من الحَجَر . ( م )