التي كانت تُدعى بالآلهة وتُمَدّ إليها أيدي المحتاجين ضارعة ، وتُقرّب إليها القرابين ، وتُعبد في نهاية المطاف من دون الله تعالى ؛ فكان القرآن يذكرها على أنّها تماثيل حجريّة وخشبيّة بلا روح ولا أثر ولا خاصيّة .
كما كان القرآن يدعو عرب الجاهليّة المتوحّشين الذين انغمروا في الكبر والعنجهيّة ، وأرسوا حياتهم على أساس سفك الدماء وقطع الطريق ؛ إلى دين عبادة الحقّ واحترام العدل والإنسانيّة .
لذا ، فقد هبّ العرب عبدة الأصنام لمحاربته ومقابلته ، وتوسّلوا بكلّ الطرق لإخماد مشعل هدايته المتّقد المتأجّج ، إلّا أنّهم لم يحصدوا من كلّ جهودهم ومساعيهم الخاسرة إلّا اليأس .
وقد جمع المشركون في أوائل البعثة بين النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم وبين أحد الفصحاء ويدعى الوليد ، وكان من المتبحّرين المشهورين في الفصاحة والبلاغة ، فقرأ النبيّ آياتٍ من أوّل سورة حم السجدة . وكان الوليد يُنصت بدقّة ، والغرور والكبر يملآن وجوده ، حتى إذا بلغ النبيّ إلى الآية الشريفة .
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ،
« 1 » اقشعرّ جلد الوليد ، وغمرته الرعدة ، حتى لم يقوَ على تمالك نفسه ، فانفضّ المجلس وتفرّق مَن كان فيه .
ثمّ ذهب إلى الوليد عدّةٌ من المشركين فعتبوا عليه أنّه فضحهم لدي محمّد ، فقال . لا والله ، فأنتم تعلمون أنّي لا أخشى أحداً ، وليس لي طمع في شيء ؛ وتعلمون أنّي أديب متبحّر في الفصاحة . ولكنّي سمعتُ من محمّد كلاماً لا يُشبه كلام الناس في شيء ، فهو كلام جذّاب يأخذ بمجامع القلب ، وما هو بشعر ولا نثر ، بل كلامٌ أصيلٌ كثير المعنى . وإن كنتُ قائلًا
هامش
( 1 ) - الآية 13 ، من السورة 41 . فصّلت ( حم السجدة ) .