الشماليّة الفرنسيّة لا يفهمون كلمةً من لهجات سكّان القرى لجنوبيّة في فرنسا . واسمع ما قاله الرحّالة بوركْهارْد « 1 » الذي يُعدّ حجّة في هذا الموضوع .
« تجد اختلافاً كبيراً ، لا ريبَ ، في لهجات اللغة العربيّة العامّيّة أكثر ممّا في أيّة لغة أخرى على ما يُحتمل ، ولكنّه لا يَصْعُب عليك أن تفهمها جميعها إذا ما تعلّمتَ إحداها . وذلك على الرغم من اتّساع البلدان التي يتكلّم أهلوها بها ، وهي الواقعة بين مدينة مُغَادر « 2 » ومدينة مَسْقط ، وقد يكون لاختلاف طبيعة البلدان تأثيرٌ في اختلاف تلك اللهجات التي هي عَذْبةٌ في أودية مصر والعراق الدنيا ، وجافّةٌ في سوريّة وجبال بلاد البربر ؛ وأعظمُ فَرْق - كما أعلم - هو ما بين لهجة المغاربة في مراكش ولهجة الأعراب بالقرب من مكّة في الحجاز ، ولكنّ هذا الفرق بين تينك اللهجتَين لا يزيد على اختلاف لهجة فلّاحي سواب ( جنوب ألمانيا ) عن لهجة فلّاحي سكسونية ( شمال ألمانيا ) . . . » .
وما قلناه عن نجاح المسلمين في نشر دينهم ، نقول مثله عن اللغة العربيّة ؛ فمع أنّ الفاتحين الذين ظهروا قبل العرب لم يستطيعوا أن يفرضوا على الأمم المغلوبة لغاتهم ، قَدَرَ المسلمون - بالعكس - على فرض لغتهم عليهم . ولمّا صارت اللغة العربيّة عامّة في جميع البلاد التي استولوا عليها ، حلّت محلّ ما كان فيها من اللغات ، كالسريانيّة ، واليونانيّة والقبطيّة والبربريّة إلى آخره .
وكان للّغة العربيّة مثل ذلك الحظّ زمناً طويلًا ، حتى في بلاد فارس
هامش
( 1 ) - ( التعليقة )Burckhard .( 2 ) -Mogadorأحد موانئ بحر الأطلنطيك ، وتقع في الساحل الغربيّ لمراكش ، وهي أوّل نقطة من مغرب العالم الإسلاميّ . ( التعليقة ) .