وكَتَب إليها المالكُ الأشتر كتاباً من المدينة وهي بمكَّة :
أمَّا بعْدُ فَإنَّكِ ظَعِينَةُ رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وقَدْ أمَرَكِ أنْ تَقِرِّي في بَيْتِكِ ، فَإنْ فَعَلْتِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكِ ، وَإنْ أبَيْتِ إلَّا أنْ تَأخُذِي مِنْسَأتَكِ وَتُلْقِي جِلْبَابَكِ وَتُبْدِي لِلنَّاسِ شُعَيْرَاتِكِ ، قَاتَلْتُكِ حَتَّى أرُدَّكِ إلَى بَيْتِكِ وَالْمَوْضِعِ الذي يَرْضَاهُ لَكِ رَبُّكِ « 1 » .
ثمَّ إنَّ عليّاً أمير المؤمنين عليهالسَّلام بَعدَ الواقعة جاءَها حتَّى وَقَف عليها فَضَرَب الهودَج بَقضيبٍ ، وقال : « يَا حُمَيْرَاءُ ، رَسُولُ اللهِ أمَرَكِ بِهَذَا ؟ ألَمْ يَأمُرْكِ أنْ تَقِرِّي في بَيْتِكِ ؟ وَاللهِ مَا أنْصَفَكِ الَّذِينَ أخْرَجُوكِ إذْ صَانُوا عَقَائِلَهُمْ وَأبْرَزُوكِ » « 2 » .
وقد عرفتَ أنَّ أبا بَكرة استدلَّ على عدم جواز خروجها بقول الرَّسول صلّى الله عليه وآله وسلَّم :
« لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً » .
على أنَّ عبدَالله بن عُمر أيضاً وَبَّخَها ولَامَها على خروجها ، وعائشةُ معَ ذلاقَةِ لسانِها وطَلَاقِةِ بَيانها وَفَصاحَةِ كلامِها لم يكن عندها جوابٌ ، ولم تَقُل : إنِّي خرجتُ للإصلاحِ بين امَّة محمَّدٍ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم ، ولم تُجِبْ بأنَّ وجوبَ الْقَرار في البَيت إنَّما يُخصَّص بما إذا كان في البُروزمصلحةٌ عامَّةٌ أقوى من مصلحة القَرار ؛ وكذا لم تُجِب بأنَّ إغاثَةَ المظلومو الملهُوف أعظم عند الله من جمع الحِجاب وجَرِّ ذُيُول السِّتْرِ .
الحكم الإسلامي للمرأة أحسن نظام لكمالها ورُقاها
هذا تمام كلامنا في المقام ؛ وقد تحصَّل منه أنَّ من له خبرةٌ بالقواعد العقليَّة والأحكام الاجتماعيَّة ، وكان قلبُه مُنوَّراً بالأحكام الشرعيَّة الإلهية ، وكان عارفاً بسيَرةِ نَبيِّنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وسُنَّتِه ومنهاجِ الأئِمّة المعصومين - سلام الله عليهم أجمعين - يَعلم أنَّ هذا الأساس المتين الذي أسَّسَه وَبناه الشَّارعُ الحَكيم للمرأة هو أحسنُ طَرحٍ لتكميل وجودها على ما
هامش
( 1 ) « جمهرة رسائل العرب » ج 1 ، ص 358 نقلًا عن « شرح ابن أبي الحديد » ج 2 ، ص 80 .
( 2 ) « مروج الذهب » ج 2 ، ص 367 .