يوم عرفة
( إلهي علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أن مرادك مني أن تتعرف إليّ في كل شيء حتى لا أجهلك في شيء ) .
فالغرض من وجودنا هو التعرف إلى الله تبارك وتعالى وعبادته بحقيقة العبادة ، بأن يكون الله تبارك وتعالى كقطب الرحى الذي ندور حوله وإلى هذا المعنى يشير الطواف بالكعبة ، وأن يكون تبارك وتعالى محور حياتنا في كل حركاتنا وكل سكناتنا ومشاعرنا وعواطفنا ومواقفنا التي نتخذها في حياتنا .
وهذا لا يعني أن نترهب ونعتزل الدنيا في الصوامع والكهوف ، بل بالعكس فإن هذا الهدف يدفعك إلى أن تخوض الحياة بكل تفاصيلها وتمارسها بشكل طبيعي لتؤدي رسالتك ولكن عليك أن توظف كل ممارساتك لهذا الهدف ، لقد كان الأنبياء والأئمة ( صلوات الله عليهم أجمعين ) عباداً مخلصين لله تبارك وتعالى ومعصومين عن الالتفات إلى غيره ومع ذلك فقد كانوا يمارسون حياتهم الطبيعية كأي إنسان ، فلا منافاة .
فالعمل والكسب يمكن أن يجعله الإنسان لاكتناز الأموال وزيادة أرصدته في البنوك للمباهاة والتفاخر ولا يخرج حقوقه الشرعية فيكون وبالًا عليه ، ويمكن أن يجعله للتعفف مما في أيدي الناس وللإنفاق في وجوه البر والإحسان ومساعدة المحتاجين والحج والزيارة وتزويج المؤمنين ودعم المؤسسات الخيرية فينال رضا الله تبارك وتعالى ويحقق الهدف .
والأكل مثلًا يمكن أن يجعله لحفظ البدن الذي هو واجب وللتقوي على العبادة ونحوها من الأهداف الصحيحة ، والزواج الذي فيه إشباع للشهوة والغريزة يمكن وضعه في هذا السياق بأن يجعل غرضه إقامة سنة الله تبارك وتعالى وصيانة النفس والزوجة من الحرام وإدخال السرور على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) وتكثير نسمات الموحّدين وبناء أسرة صالحة وإدخال السرور على امرأة مؤمنة ونحوها من النيات المباركة وهذا إنما يتحقق حينما يكون الإنسان دائم الذكر لربه مستحضراً
خطاب المرحلة — صفحة 317
مساهمون: الشيخ محمد اليعقوبي
ص٣١٧