وفي ظل هذه الموازنة يمضي الإنسان في حياته مندفعاً في الاتجاه الإيجابي الذي تقتضيه ، ولا يوجد فيها مكان للعبث واللهو والانحدار في أفعال غير مرضية ، لذا حفلت هذه الأيام بالأدعية والصلوات والأذكار التي تنسجم مع واقع هذا اليوم الشريف ومنها دعاء الندبة .
كما أن هذه الأعمال تؤدي وظيفة أخرى وهي تذكير الأمة بأن العيد الحقيقي لا يتحقق بثوب جديد أو موقع كبير أو مال جزيل ، وإنما العيد الحقيقي أن تحيى في ظل طاعة الله تعالى وإدامة ذكره وعدم الغفلة عنه والارتباط المتواصل به ، بحيث لا تندفع إلا إلى ما أمر به وحثّ عليه ، ولا تنزجر إلا عمّا نهى عنه لذا ورد في الحديث الشريف
( كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد )
، فلا عيد لهؤلاء الذين يمضون ساعاته في الفسق والفجور والمجون كذلك الذي يقول :
رمضان ولّى هاتها يا ساقي * مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ
فإن أمثال هؤلاء تعساء وأشقياء لكنهم غافلون عن صورتهم الحقيقية ، وعميت أبصارهم عن الالتفات إلى واقعهم المؤلم حتى إذا ماتوا فوجئوا بما صنعوا وبما قدّموا لأنفسهم
( وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ، وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )
( قّ : 19 - 22 ) وفي الحديث الشريف
( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) .
وإضافة إلى هذه المعاني العامة فإن لدعاء الندبة خصوصيات ترتبط بيوم العيد الشريف :
منها : أن أفراحكم لا تنسيكم مصائب أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ومواليهم وكل العاملين الرساليين التي لا زالت تقع عليهم من كل حدب وصوب ، يقول الإمام السجاد ( عليه السلام ) في يوم عيد بعد استشهاد أبيه الحسين ( عليه السلام ) وأصحابه البررة وهو كئيب حزين :
يفرح هذا الورى بعيدهم * ونحن أعيادنا مآتمنا