وقد يتحقق هذا المعنى للدولة الكريمة عند المؤمنين وهم بعيدون عن الحكم وليس لهم في السلطة نصيب ، كما كان عند أهل البيت ( سلام الله عليهم ) ومن الشواهد على ذلك - وإن كانت القضية لا تحتاج إلى شاهد - ما روي عن الإمام الهادي ( عليه السلام ) لما جلبه المتوكل العباسي من المدينة إلى سامراء وأنزله خان الصعاليك فدخل عليه أحد أصحابه وبكى رقّةً لحال الإمام ( عليه السلام ) حيث لم يكتفِ الظلمة بجلبه وإبعاده عن مدينة جده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى أنزلوه هذا المكان البائس فهوّن عليه الإمام ( عليه
السلام ) وكشف له عن بصره فرأى جناناً وأنهاراً ومناظر خلّابة وقال له : ( حيث كنا فهذا لنا عتيد ولسنا في خان الصعاليك ) .
وهكذا فحينما ندعو لإمامنا المهدي ( عليه السلام ) بالفرج وتعجيل الظهور فإن الفرج الحقيقي يبدأ من داخل أنفسنا حينما نهذّبها بطاعة الله تبارك وتعالى وتسير نحو الكمال ، وإلا فما الذي نجنيه من ظهور الإمام ( عليه السلام ) إذا لم نحقق هذه الدرجات في داخلنا ؟ ربما سنكون في الصف المعادي له أو مع المتخاذلين عن نصرته حرصاً على مصالح دنيوية أو وضع اجتماعي أو مكاسب سياسية ونحوها .
فالدولة الكريمة والفرج يبدآن من داخل النفس ثم يشرقان على الآخرين فإذا عاش المجتمع أجواءً إسلامية وكان سلوكه إسلامياً ، وتفكيره مبنياً على أساس الإسلام فهذه هي الدولة الكريمة وهذا هو الفرج الحقيقي .
خطاب المرحلة — صفحة 173
مساهمون: الشيخ محمد اليعقوبي
ص١٧٣