والآية المذكورة لها ربط بما سبقها
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ
« 1 » ، وقد ثبت أن عمارة المسجد الحرام المادية قد فعلها مشركو قريش ، إذن فالإعمار المقصود في الآيتين ليس هو الأعمار المادي بل المعنوي ، وهذا هو دأب الشرع المقدس في تقييم الأعمال ، إذ ليس المهم فيه هو الأمور الظاهرية المعنوية منه بل أهم شئ فيه النية والقصد ، وقال الرسول الأكرم ( ( صلى الله عليه وآله ) ) :
( ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ) ) « 2 »
، وقال أمير المؤمنين ( ( عليه السلام ) ) :
( ( إن الله عزّ وجلّ أوحى إلى عيسى بن مريم ( ( عليه السلام ) ) قل للملأ من بني إسرائيل لا تدخلوا بيتاً من بيوتي إلا بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة وأَكُفً نقية ) ) « 3 »
، وعن النبي ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قال :
( ( إذا أنزل الله عاهة من السماء عوفي منها حملة القرآن ورعاة الشمس ( أي الحافظون لأوقات الصلاة )
وعمّار المسجد ) ) « 4 » وهذا الحديث يبين إنزال عمار المساجد بمنزلة الحافظين لصلاتهم ومنزلة حملة القرآن وهؤلاء الحافظون هم المؤمنون لا مطلق الحافظين وكذلك الحاملون للقرآن المراد بهم العاملون بتأويله وتفسيره لا مطلق الحفظة ، لذا فالمراد بالعمّار المعنى الذي ذكرناه لا البناة وإن كان منطبقاً على البناة المخلصين المرتادين للمساجد ، وعلى كل حال فبقيد الإخلاص يمكن الحمل على المعنيين الظاهر وغيره .
ثانياً : الحث على بناء المساجد
عن ابن عباس قال : خطبنا رسول الله ( ( صلى الله عليه وآله ) ) قبل وفاته وهي آخر خطبة له في المدينة حتى لحق بالله عزّ وجلّ فوعظنا بمواعظ ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب ، واقشعرت منها الجلود ، وتقلقلت منها الأحشاء ، أمر بلالا فنادى ،
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 17
( 2 ) البحار ، ح 70 ، باب ( 54 ) ، رواية 21 .
( 3 ) المجلسي ، بحار الأنوار ج 77 ، ص . 10
( 4 ) حسين النوري ، مستدرك الوسائل ، ج 3 ، ص 149 .