المؤمنين علي عليه السلام
: ( الذي لا يدركه بُعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حدّ محدود ، ولا نعت موجود . . . ) « 1 » ، و ( إنك أنت الله الذي لم تتناه في العقول فتكون في مهبِّ فكرها مكيّفاً ، ولا في رَوِيَّات خواطرها فتكون محدوداً مصرّفاً ) « 2 »
، وإن كان هذا المنع يعنى الحصول لا الحضور أوّلًا وبالذات ، وأما الحضور فنفيه تكفَّل به الحصول نفسه ، فالأدلّة الإثباتية تمنع من تحصيل تلك المعرفة ، وإلا فالموقف قد يختلف ، ولكنه اختلاف نسبي ، بمعنى أنَّ الإحاطة تتحصَّل ولكن بلحاظ درجة حضور العارف لا المعروف ، فالمساحات الإشراقية لا يُمكن أن تُقاس بها المساحات البرهانية ، فالأُولى امتدادية والأُخرى انحصارية ، وهذا النوع من المعرفة الإحاطية يُمكن تصوّره حصولًا ولكن لا يُمكن تحصيله بذلك .
وفي ضوء هذا البيان تُوجّه كلمات بعض العرفاء ، من قبيل أنَّ حقيقة الله وذاته لا تُدرك أبداً ولا يُمكن الإحاطة بها « 3 » ، فذلك محمول على الحصول مطلقاً والإحاطة بلحاظ المعروف لا العارف ، ولعلَّ قولهم : ( لا تُدرك ) تحكي لنا ذلك ، فالمعرفة الشهودية فوق مستوى مرتبة الإدراك العقلي .
وأما قولهم بأنَّ ( الذات الإلهية حار فيها جميع الأنبياء والأولياء ، كما قال صلى الله عليه وآله :
ما عرفناك حقَّ معرفتك ، وما عبدناك حقَّ عبادتك . . . ) « 4 » ،
فإنه محمول على المعرفة الإحاطية بلحاظ المعروف لا العارف ، وأنَّ مراده صلى الله عليه وآله هو أنه ما عرفه سبحانه بلحاظه سبحانه لا بلحاظه صلى الله عليه وآله ، وإلا فمن الواضح جداً بأنَّه لا نسبة بينه وبين ما سواه ، فكيف يُحاط به
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ج 1 ، ص 14 ، الخطبة الأولى .
( 2 ) المصدر السابق : ج 1 ، ص 165 .
( 3 ) انظر : شرح القيصري على فصوص الحكم ، لابن عربي : ص 130 .
( 4 ) المصدر السابق : ص 69 . .