ولكن هل لنا التزوّد بما وصلنا من بيانات خاصّة بصفة الإمام المعصوم عليه السلام لتجلية الموقف وكشف اللثام عن ملامح المحورية المعنوية ؟
الواقع أنَّ هنالك بيانات كثيرة جدّاً ولكنها تكشف لنا خصوصيات الآثار التي تركها المعصوم ، وأما بالنسبة لذاته المُقدسة وكُنهها وكمالاتها الخاصّة ، التي تفرَّد بها عليه السلام عمَّن سواه فذلك أمر عسير جداً « 1 » ، ومن الواضح بأنَّ المُشكلة تكمن في قصورنا فضلًا عن تقصيرنا ، وإلا فهم عليهم السلام كلّ واحد منهم كان كما جاء في وصف أمير المؤمنين علي عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله ، حيث يقول :
( طبيب دوّار بطبّه ، قد أحكم مراهمه ، وأحمى مواسمه ، يضع ذلك حيث الحاجة إليه من قلوب عُمي وآذان صُمّ وألسنة بكم ، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ، ومواطن الحيرة ) « 2 » .
وما أروعه مِن وصف وأدقّه من تصوير ، حيث يُعبّر عنه عليه السلام بأنّه « دوّار » ، فهو صلى الله عليه وآله لم يجلس في محلّ إقامته وطبابته - عيادته - ليراجعه الناس وإنّما هو من يقصد مرضاه بنفسه ، يطرق الأبواب ويجوب الأزقّة والشوارع حيث يُطهّر القلوب ويُزكّي النفوس ، فُيبدل قسوتها رأفةً ورحمةً ، وجفاءها وصلًا وقرباً ، وموتها حياةً « 3 » .
ولكنَّ الجهل يقتل صاحبه ، فمضوا عليهم السلام وفي العين قذى وفي
هامش
( 1 ) تقدّم منا ذكر رواية عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يقول فيها لأمير المؤمنين علي عليه السلام :
( يا عليّ لا يعرف الله إلّا أنا وأنت ، ولا يعرفني إلّا الله وأنت ، ولا يعرفك إلّا الله وأنا )
. انظر : إرشاد القلوب : ج 2 ، ص 209 . وأيضاً : مشارق أنوار اليقين : ص 173 .
( 2 ) انظر : نهج البلاغة ، نسخة المعجم المفهرس : ص 47 ، الخطبة : « 108 » .
( 3 ) انظر : كتاب : ( من الخلق إلى الحق ) : ص 148 . .