وآله ، بل إنَّ المستوى المعرفي للقرآن الكريم يفوق ذلك النضج بما لا يُمكن
تصوّره ، نسبته كنسبة الرسول للمُرسِل ، وهذا هو الأوفق للقواعد العقلية والنقلية القائلة باستحالة الإحاطة ، وأما بحسب الواقع الذي عليه الأُفق المعرفي للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله فهو مجهول لنا ، بل ومُتعذَّر أيضاً « 1 » ، فما يُتحصَّل منه يكون بحسب القابل ، أي بحسب عقولنا ، فكان صلى الله عليه وآله يترشّح منه على مُخاطبيه بقدر مقدور ، ولقد كان أمير المؤمنين علي عليه السلام يُنادي في مُخاطبيه : ( إنَّ ها هنا لعلماً جمّاً - وأشار إلى صدره - لو أصبت له حملة ) « 2 » ، والترشّح مقرون بمقدار المُخاطَب ، وهو المُستوى الذي يُشخّصه المعصوم نفسه ، روايةً عن كميل بن زياد رحمه الله ، عندما سأل الإمام عليّاً ، قائلًا : ( يا أمير المؤمنين ! ما الحقيقة ؟ فقال عليه السلام : ما لك والحقيقة ؟ فقال كميل : أو لستُ صاحب سرّك ؟ قال عليه السلام : بلى ، ولكن يرْشَحُ عليك ما يطفح منّي . . . ) « 3 » .
هامش
( 1 ) ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله :
( يا عليّ لا يعرف الله إلّا أنا وأنت ، ولا يعرفني إلّا الله وأنت ، ولا يعرفك إلّا الله وأنا ) .
انظر : إرشاد القلوب ، للديلمي : ج 2 ، ص 209 . وأيضاً : مشارق أنوار اليقين ، للحافظ رجب البرسي : ص 173 .
( 2 ) نهج البلاغة ، تحقيق الشيخ محمد عبده : ج 4 ، ص 36 .
( 3 ) انظر : محبوب القلوب ، المقالة الثانية ، لقطب الدين اللاهيجي : ص 497 . ونظراً لأهمّية الرواية نذكر تكملتها : ( فقال كميل : أَوَ مثلك يُخيّب سائلًا ؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام : الحقيقة ، كشف سبحات الجلال من غير إشارة . فقال كميل : زدني بياناً ، قال عليه السلام :
محو الموهوم مع صحو المعلوم
. فقال كميل : زدني بياناً ، قال عليه السلام : هتك الستر لغلبة السرّ . فقال : زدني بياناً ، قال عليه السلام : نور يشرق من صبح الأزل ، يلوح على هياكل التوحيد . قال : زدني بياناً ، فقال عليه السلام :
أطفئ السراج فقد طلع الصبح ) .
وقيل بأنَّ المراد من السراج هو العقل ، فإنه سراج مُضيء ، ولكنه له حدّ محدود ينتهي عنده لينطلق سراج آخر ، تتّصف فيه العلوم بالحضور ، وتنزوي عنه مُعطيات الحصول ، ذلك عالم المُعاينة ، فتمحو العينُ الحاجةَ للأثر . .