وعليه فإنَّ الانقياد والتسليم لما أتى به الأنبياء والأولياء صلوات الله عليهم والتعويل على الفؤاد هو سبيل النجاة من جميع معاني ومصاديق الطاغوت ، ويكون الاستمساك بالعروة الوثقى إشارة إلى هذا الانقياد والتسليم والمتابعة للأنبياء والأولياء عليهم السلام والتعويل عليهم في أمر الدين « 1 » ، وهذا التعويل تتعمَّق أهمّيته وجدواه في كونه يُمثّل إستراتيجية عملية لحركة الإنسان في سلَّم الكمالات الإلهية ، لأنه يُمثّل تمسُّكاً بالعروة الوثقى لا انقطاع له البتّة ، وهذا ما يُشكِّل ضمانة حقيقية للإنسان ، بخلاف ما عليه الحال في السير الطاغوتي ، فإنَّ صاحبه موتور في الدنيا والآخرة ، فالكلّ سيبرأ منه ، حتى الشيطان نفسه ؛ قال تعالى : كَمَثلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( الحشر : 16 ) ، ولا تنفع دعوى إلقاء الذنب على الطاغوت ، فالتابع والمتبوع في مصير مشترك ، وهو النار ، قال تعالى : . . . كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ ( الأعراف : 38 ) .
إذن لا هداية إلا بالتمسّك بالعروة الوثقى ، ولا ضمانة في ديمومة ذلك إلا بها ، فإنها ليست عروة فحسب ، وإنما هي وثقى ، أي : لا انفصام لها ، وهذا كاشف عن كونها تعبيراً حقيقياً عن نيل الكمالات الإلهية التي تتحرّك باتجاهها الفطرة ، فيكون مؤدَّى : ( فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ) هو التمسّك بالكمالات الإلهية التي لا انقطاع لها ولا انطفاء ، فهي مطلقة من حيث الوجود وغنيّة من حيث الذات ، فمن أين يكون الانفصام والانقطاع بعد التمسّك بالغنيّ المطلق ؟ وبالتالي فإنَّ الحفظ الحقيقي إنما يكون بالله تعالى ، والهلاك الحقيقي إنما يكون بالطاغوت .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير القرآن الكريم ، صدر المتألهين : ج 4 ، ص 223 . ( بتصرف ) . .