ذلك يفتقر إلى الدليل ، فنحن في حدود الرواية لا نعلم أأُمرنا بذلك أم لم نُؤمر ،
والأصل عدم التكليف ، فيبقى لسان : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ مطلقاً .
الدلالة الثالثة : إنَّ هذه الرواية تُلفت النظر إلى جهاد الكفَّار في صورة وجود سلطان لهم ، حيث يقول صلى الله عليه وآله :
( لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) ،
والضرب مرجعه القوّة والسلطان ، أضف إلى ذلك أنَّ هذه الفقرة تنمّ عن انحصار المجاهدة بالمرتدّين ، كما هو واضح .
ومع ذلك كلّه فلو سلّمنا بصحّة الرواية سنداً ودلالة على إثبات الجهاد الابتدائي ، فإنها لا تكون معارضة أو ناسخة لآية نفي الإكراه ، وذلك لأنَّها خبر واحد ، والخبر الواحد لا يُعارض ولا ينسخ حكماً قرآنياً ، فالسنّة القطعية وحدها قابلة لنسخ حكم قرآني .
شرطية التبليغ في تلبية داعي الفطرة
اتّضح لنا أنّ المقتضي لقبول الدين القيِّم فطري ، وأنَّ سرَّ عدم الاستجابة لذلك لا يكمن في ضعف الداعي ، بقدر ما هو مرتبط ومتعلِّق بالمانع الطاغوتي من إيصال الحقّ الإلهي الفطري والحقيقي الذي جُبلت عليه فطرة الإنسان بشكل خاصّ والوجود بشكل عامّ ، وهو معرفة الله تعالى وتوحيده ، ولكنَّ وجود هذا المقتضي الفطري الذي لا يتبدّل ، وارتفاع المانع الطاغوتي ، لا يكفلان لنا تحقّق المطلوب ، إذ لابدَّ من تحقّق شرط أساسي ، وهو شرط التبليغ ، ولا نعني بالتبليغ وجوده الصوري ، وإنما بشرطه وشروطه ، ومن شروطه الحكمة والكفاءة والصبر والإخلاص ، وأن يكون المُبلِّغ ودوداً رحيماً ، فطناً قويَّ الشخصيّة ، لا تُثبّطه النوائب والمُلمَّات والإشاعات المُغرضة .
ولا ريب بأنَّ جذور هذه الشروط والمعاني العليا في شخصية المُبلِّغ قرآنية بالدرجة الأُولى ، فهو هدىً للمُتّقين كما أنه هدى للضالّين ، ومن هدايته للمتّقين تعريفهم بكيفية الترويج للدين ، كما أنَّ التبليغ بنفسه هو العنوان الأوّل في