وأما قوله تعالى : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ . . . ( البقرة : 191 ) ، فإنها تتحدّث عن الجهاد الدفاعي بالاصطلاح الفقهي ، بدليل الآية التي سبقتها ، وهو قوله تعالى : وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبِّ المُعْتَدِينَ . . . ( البقرة : 190 ) ، فالآية تأمرنا بمقاتلة الذين يُقاتلوننا ، وهذا هو فحوى الجهاد الدفاعي ، وقد عرفت بأنَّ دعوى التنافي منحصرة في قسم الجهاد الابتدائي ، فلا كلام في المقام . وعلى فرض شمولها للجهاد الابتدائي ، وهو فرض بعيد ، فقد عرفت - ممَّا تقدّم - بأنَّ مرجعية الجهاد الابتدائي للدفاعي بالمعنى المُتقدّم ، فيرتفع الإشكال من رأس .
مناقشة رواية الدعائم
وأما رواية الدعائم الآمرة بالجهاد ، فإنَّها مع غضّ الطرف عن سندها وسند الكتاب بأسره ، فهي لا تدلّ على الإكراه على الإسلام . نعم ، لها دلالات مهمّة ، منها :
الدلالة الأولى : إنها تتبنّى مقولة التوحيد ، لا الدعوة للإسلام ، بدليل قوله صلى الله عليه وآله :
( حتى يقولوا : لا إله إلا الله ) ،
حيث لم يضف إليها شهادة أُخرى .
الدلالة الثانية : إنَّ الرواية تُحدِّد لنا وظيفة من وظائف الرسول صلى الله عليه وآله المتمثّلة في جهاد الكفَّار ، وهو قوله : (
فإنما أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ) ،
فالقدر المُتيقَّن هو انحصار وظيفة الجهاد به ، وما دون
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي) — صفحة 354
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٥٤