، فكيف بك وأنت لا تملك ذلك كلّه . وكأنَّ الهدف من وراء ذلك كلّه إلغاء أصل فكرة الإكراه من قاموسي الحركة التكوينية والتشريعية للشارع المقدّس ، فالقادر لم
يفعل وغير القادر عاجز عنه ؛ وأما المراد من المصداق الفعلي والحقيقي للدين في حدود هذا النصّ فإنه ديننا المعروف الذي ارتضاه الله لنا ديناً دون سواه ، وهو إسلامنا العظيم « 1 » .
وستكون لنا عودة أُخرى نُؤكِّد فيها انتفاء موضوعة النسخ ، وذلك عند تفسيرنا لقوله تعالى : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، من خلال تحليل حقيقة النسخ وعلاقته بعلّة الحكم لا الحكم وحده .
عود على بدء ( الدين اصطلاحاً مع تحديد موضوع نفي الإكراه )
والآن ينبغي العودة للجملة الأولى من المقطع الثاني من الآية ، وهو قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ . . . ، فقد مرَّ بنا أنَّ الدين بمعناه اللغوي الأقرب هو الطاعة والمتابعة ، وأما اصطلاحاً ففيه جهتان ، جهة بلحاظ تقسيمات نفس الدين ومفرداته ، وجهة بلحاظ المخاطبين .
الجهة الأُولى : مفردات الدين
وفيه صور ثلاث ، تدور بين اجتماع وافتراق العقيدة والشريعة ، وهي :
الصورة الأولى : انحصار مفردات الدين بالأُمور الجوانحية ، دون الجوارحية .
الصورة الثانية : انحصار مفردات الدين بالأُمور الجوارحية ، فتقتصر على الشريعة والأحكام الشرعية العملية ، دون الأُمور الجوانحية القلبية العقائدية .
الصورة الثالثة : اشتماله على الموارد الجوانحية والجوارحية معاً ، المتمثّلة بالعقيدة والشريعة معاً ، أو ما تُسمَّى أيضاً بأُصول الدين وفروع الدين .
والصحيح في ذلك هو أنَّ الدين يشمل الأمرين معاً ، ولكنَّ موضوعة
هامش
( 1 ) انظر : مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 161 . .