بمعنى عدم انحصار مفهوم نفي الإكراه المطلق في مفردة الدين بأهل الكتاب . فإذا ما قلنا بالانحصار بهم ، احتاج الأمر إلى دليل خاصّ ، وأما سبب النزول
فقاصر عن ذلك ، هذا فضلًا عن القدح بالأعمّ الأغلب من روايات أسباب النزول لضعف سندها ، ولإسرائيلية الكثير منها « 1 » .
الأمر الثالث : دعوى نسخ قوله تعالى : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )
ادُّعيَ في المقام نسخ هذا الجزء : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ . . . من المقطع الثاني من الآية ، وناسخه قوله تعالى : فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُواْ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ . . . ( التوبة : 5 ) « 2 » .
وقد ذكر ابن القيِّم الجوزي أقوالًا في ذلك ، منها دعوى النسخ ، حيث يقول : ( والقول الثاني : إنه منسوخ ، لأنَّ هذه الآية نزلت قبل الأمر بالقتال ، ثمَّ نُسخت بآية السيف ، وهذا قول الضحاك والسدي . . . ) « 3 » .
والصحيح هو ما ذهب إليه سيّدنا الأُستاذ الخوئي ( قدّس سرّه ) من عدم نسخها ، ورفضه لدعوى كون الناسخ لها قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ( التوبة : 73 ) ، كما نفى اختصاصها بأهل الكتاب .
قال قدّس سرّه : ( والحق : أنَّ الآية محكمة ، وليست منسوخة ولا مخصوصة ) « 4 » ، ثمَّ ذكر تفاصيل دقيقة في معنى الإكراه واستدلّ على نفي دعوى النسخ
هامش
( 1 ) تقدّم بيان المراد من الإسرائيليات . راجع : الفصل الأول من الباب الأول من الكتاب ، تحت عنوان : ( التفسير الروائي الأثري ) .
( 2 ) انظر كتاب : ( الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم ) ، لابن حزم الأندلسي : ص 30 ، رقم : ( 24 ) .
( 3 ) نواسخ القرآن ، لجمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي : ص 92 .
( 4 ) البيان في تفسير القرآن : ص 307 . .