الدنيا ، فكيف يكون بلاغاً من الدنيا إلى الآخرة ؟
والجواب هو أنه صلى الله عليه وآله كان بصدد بيان سُلَّمية القرآن للدار الآخرة ، وهذه السُّلَّمية تتضمّن البعدين المعرفي والمعنوي ، فلا يُمكن بدونهما نيل مراتب الكمال أو الخروج من ظلمات النار ، وهو ما تمَّ تأكيده في المقطعين الأخيرين .
وقد ذكر الإمام الرضا عليه السلام يوماً القرآنَ فعظَّم الحجّة فيه ، والآية والمعجزة في نظمه ، وقال :
( هو حبل الله المتين ، وعروته الوثقى ، وطريقته المثلى المؤدّي إلى الجنّة ، والمنجي من النار ، لا يخلق على الأزمنة ، ولا يغث على الألسنة ، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان ، بل جُعِل دليلَ البرهان ، والحجّة على كلِّ إنسان ) « 1 » ،
وهنا توكيد لصفة أُخرى لسُلَّمية القرآن ، وهي ديمومة هذه الوظيفة التكوينية ، فهو لا يخلق على الأزمنة ، والحجّة على كلِّ إنسان .
3 . التصوير العقلي
لا ريب بأنَّ الإنسان ساعٍ لتحصيل كماله ، وكماله المقصود واقعاً هو المُطلق الذي مصداقه الأوحد الذات المقدّسة ، وحيث إنَّ الله تعالى قد تجلَّى في كتابه بكماله وجماله وجلاله - كما تقدَّم « 2 » - فإنَّ القرآن الكريم سوف يكون سُلَّماً حقيقياً للإنسان للوصول إلى هدفه ، فالسُّلَّمية لازم ذاتي للقرآن الكريم موجب للوصول إلى كمالات الله تعالى ، ومن هنا يتّضح لنا السرّ الأعظم في كلمة الإمام عليّ الرضا عليه السلام الآنفة ، وهو يصفه بأنه : ( لا يخلق على الأزمنة ) ، لأنَّ قوامه صفات الله تعالى بكمالها وجمالها وجلالها .
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا عليه السلام ، للشيخ الصدوق : ج 1 ، ص 137 ، ح 9 .
( 2 ) تقدّم تخريج حديثين في هذا المضمار ، راجع : الفصل الثاني من الباب الأول من الكتاب ، في ذيل عنوان : ( سؤالان مفصليان ) . .