وفي ضوء ما تقدَّم يكون قد اتّضح لنا أهمّية مصادرية موضوعة النسخ في فهم النصّ القرآني ، وأنه لابدَّ من الوقوف على ضوابطه وشروطه .
الثاني : المكّي والمدني
يعتبر علم المكّي والمدني من العلوم التي اقترنت بعلم تدوين القرآن الكريم ، وبالرغم من أنَّ اصطلاح المكّي والمدني ليس شرعاً قد حُدِّدَ لنا من قبل المعصوم عليه السلام ، وإنما هو مجرّد اصطلاح تواضع عليه علماء التفسير « 1 » ، فإنَّ المكّي والمدني قد صار مورداً لإثارة الشبهات من قبل بعض المُستشرقين حول القرآن الكريم ، نظراً لاختلاف الخطابين المكّي والمدني ، فاستفادوا من ذلك أنَّ القرآن خاضع للتأثيرات البشرية ، وقد غفلوا أنَّ البيئتين مختلفتان تماماً في الظروف والملابسات ، وفي الأهداف والغايات التي كان يتعاطى في ضوئها القرآن الكريم .
فإنَّ الخطاب القرآني يسير باتّجاه الأهداف الإلهية الرامية إلى تصحيح مسيرة الإنسان ، فإذا اقتضت تلك الأهداف والغايات تغيّراً ما في لغة الخطاب ، فلابدَّ من ذلك لحفظ الهدف العامّ « 2 » ، وقد كان من طريقة القرآن التعاطي مع الواقع الإنساني ومقتضيات الظرف ، ولكن دون أن تتحكّم بأهداف القرآن وغاياته ، التي كانت وراء صياغة النصّ ومضمونه ، وهذا الأمر ليس له صلة بالنتاج البشري ، بدليل أنَّ المستوى الفنّي في الخطابين متقارب ، بل هما واحد ، مع أنَّ التجربة البشرية للفرد على مساحة ربع قرن تكشف لنا عن بون شاسع بين السابق منه واللاحق ، وهذا واضح .
وعلى أيّ حال ، فرغم ما تقدَّم من عدم التسمية الشرعية لاصطلاح المكّي
هامش
( 1 ) انظر : المدرسة القرآنية ، للشهيد الصدر قدس سره : ص 250 ، القسم الثاني .
( 2 ) المصدر نفسه : ص 255 . .