علاقة الدلالات الثلاث بانعقاد الظهور
مرَّت بنا الإشارة إلى تقسيم الدلالة السياقية إلى اقتضاء وتنبيه وإشارة دون أن نُعرِّف بها ، وهنا نودّ الوقوف عند هذه التقسيمات ، تعريفاً وتمثيلًا ، وبيان أثرها في انعقاد الظهور ، وهل جميعها حجّة في موردها ويُمكن اعتمادها ؟ أما الدلالات فهي :
أوّلًا : دلالة الاقتضاء
أحياناً يأتي الكلام وهو لا يشتمل على مفردة أو أكثر كان يقتضيها معنى الكلام ، فإذا ما قطعنا النظر عنها يحدث نوع من الاضطراب أو سوء الفهم ، وهذا الاقتضاء جارٍ وفق أُصول المحاورة العقلائية ، بمعنى أنَّ المتكلَّم لا يحتاج إلى نصب قرينة خاصّة للتدليل على مراده النهائي الذي يتمّ بتلك المفردة غير المذكورة ، حيث يكفيه جريان الأُصول العقلائية التي من حيثياتها ملاحظة ما يقتضيه الكلام . لو نظرنا في قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ( لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ) « 1 » ، وجار المسجد هو كلّ من سمع النداء ( الأذان ) « 2 » ، فإنه لا يُراد منه بطلان الصلاة في غير المسجد ، فصلاته مُجزية بإجماع المسلمين ، وإنما ذلك محمول على نفي الكمال « 3 » ، بمعنى : ( لا صلاة فاضلة كثيرة الثواب ، دون أن يكون أراد نفي الإجزاء على كلّ وجه ) « 4 » .
فخطاب الرسول صلى الله عليه وآله لأُناس مُلمِّين بأُصول المحاورة
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 3 ، ص 356 ، ح 1 . وفي الرواية الأصلية : ( إلا في مسجده ) . انظر : وسائل الشيعة : ج 5 ، ص 194 ، ح 1 .
( 2 ) فقد سُئل الإمام علي عليه السلام في ذلك : من جار المسجد يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ( من سمع النداء ) . انظر : مستدرك الوسائل : ج 3 ، ص 356 ، ح 1 .
( 3 ) انظر : تذكرة الفقهاء ، للعلامة الحلّي : ج 4 ، ص 233 .
( 4 ) تهذيب الأحكام ، للطوسي : ج 1 ، ص 92 . .